أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سقوط الآداب أم سقوط الأقنعة؟! (4): المودة الواعية وحدود القرب

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالسبت 26 سبتمبر 2026، 1:15 م
سقوط الآداب أم سقوط الأقنعة؟! (4): المودة الواعية وحدود القرب

تَمرُّ العلاقات القوية والراسخة بمحطات اختبار وتقييم لتماسكها، ومن تلك المحطات: حفظ حقوق الآخر، وعدم التجاوز على شخصيته بأي أسلوب يكسر صفو علاقتهما ويسبب له جراحاً نفسية ووجدانية. فقد يظن بعض الناس أن طول الصحبة يبيح المزاح الثقيل وصنع الضحكة والأجواء التلطيفية على حساب كرامة الصديق، وذلك من خلال السخرية الجارحة، وتوجيه الكلمات المبطّنة، أو كشف الأسرار والخصوصيات لصنع بطولة إخبارية كمورد لتلك الخفايا لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال قناته، أو عموم تجاوز المساحات الشخصية في خرق لقاعدة: «عامل الناس كما تحب أن يعاملوك».

غير أن الصداقة لا تعني رفع الكلفة بنحو مطلق، بل هي مساحة انسيابية تقوم على احترام الآخر مع ازدياد الثقة والمسؤولية الأخلاقية، وذلك يعني التمسك أكثر بحفظ شخصية الآخر عندما يعرف من صديقه أسراره ونقاط ضعفه؛ حيث إنه وثق فيه وارتاح نفسياً له واعتقد بأنه يقف أمام مرآة نفسه وستبقى تلك الأسرار طي الكتمان، وأصبح من الواجب عليه أن يصونها وكأنها أمور تخصه لا يقبل بإفشائها لأحد، لا أن يجعلها مادة للضحك أو وسيلة للضغط عليه تجعله يندم كثيراً على معرفتها من شخص لا يستحق الثقة التي منحها له.

والكلمة التي قد يراها أحدهم مزحة عابرة لن يكون لها أدنى تأثير، قد تستقر في قلب الآخر جرحاً لا يظهر أثره في اللحظة نفسها، وتصنع فجوة في علاقتهما تتسع مع تكرار مثل تلك المواقف حتى تصبح تلك العلاقة عبئاً لا بد من التخلص منه. ولهذا جاء النهي عن السخرية والتنابز؛ لأن كرامة الإنسان لا تسقط بحجة المزاح أو الألفة أو أي تبرير غير مقبول ولا يمسح الجرح الناتج منها.

ويقرر علماء التربية والأخلاق أن الشخصية الناجحة في جميع جوانبها -خصوصاً الجانب الاجتماعي- هي التي تمتلك النضج الأخلاقي، والمقصود به هو الموازنة ما بين لحظة الحديث والكلمات المناسبة، وبين لحظة الصمت وما الذي ينبغي أن يبقى مصوناً. فليست كل الأمور التي يعرفها الصديق صالحة لأن تُقال أمام الآخرين، وخصوصاً أسرار الصديق الذي ائتمنه عليها، كما أنه ليست كل العيوب التي يكتشفها الإنسان في صاحبه مباحة للتداول والحديث عنها.

فلا ينبغي أن نغفل عن أهمية الصداقة في حياتنا وما تمنحه للإنسان من شعور بالأمان، لا أن تصبح مصدر قلق وخوف من أن تتحول خصوصياته يوماً إلى مادة للسخرية والتناقل على الألسن عن طريق صديق وثق فيه ووعده بأن تبقى في مأمن. وقد يكون أعظم دليل على عمق الصداقة أن يستطيع الصديقان المزاح وتبادل الأحاديث الطريفة دون إيذاء أو إهانة أو تشهير.

فالحدود الأخلاقية سياج يحمي العلاقة من التحول إلى فوضى عاطفية وسلوكية يمارس فيها الآخر عربداته، فإن المعيار هو مقدار ما نستطيع أن نصونه من أجله، وحينئذ يمكن الحكم على تلك الصداقة بأنها ناضجة ومثمرة؛ فكلما ازداد التقارب الفكري والنفسي وازدادت المودة، كان هناك الحرص الأشد بالتمسك بحرمة الصديق وكرامته.