حين كان للمكان اسم وحكاية

حارات وقرى المدن السعودية ، ذاكرةٌ تسكن الأسماء، ولكل مدينة حكاية، ولكل مدينة حارات وأحياء وفِرَق، ولكل فريق أو حي اسم، ولكل اسم حكاية، فالقطيف، مثلها مثل غيرها من مدن الوطن، لها مدن وبلدات وقرى، ولكل واحدة منها تقسيماتها ومسمياتها، ولكل مسمى قد يكون له قصة ، قد تكون القصة واقعية ومعروفة، ارتبطت بسبب أو حادثة أو شخص أو مهنة أو معلم أو لأسم نخل ، أو وقف ، وقد يكون الاسم قديمًا إلى درجة أننا لا نعرف أصله وفصله، ولا نملك إلا ما تناقلته ذاكرة الناس ورواياتهم.
لكن، في الحالتين، بقي الاسم.
بقي لأنه ارتبط بحياة الناس، وبالمكان الذي عاشوا فيه، وبالبيوت التي سكنوها، والمساجد التي صلوا فيها، والأسواق التي ارتادوها، والأشجار والعيون والآبار والمعالم التي كانت جزءًا من يومياتهم ، هذه المسميات وقعت عيني عليها، وشاهدتها بعين المتجول القارئ المهتم ، وتجولت بينها في صفحات الكتب والمصادر، وقرأتها وأنا أتنقل من مدينة إلى أخرى، ومن حارة إلى حارة ، ولم تكن جولة ميدانية بالمعنى المعروف؛ فلم أحمل كاميرتي هذه المرة، ولم أمشِ في أزقة تلك المدن، وإنما كانت جولة قراءة ممتعة في ذاكرة المكان ، كل اسم كان يفتح أمامي بابًا لسؤال، وكل حارة تقودني إلى حكاية، وكل حكاية تكشف جانبًا من حياة الناس وعلاقتهم بالمكان.
جدة البلد .
وجدت نفسي أتجول بين حارة المظلوم في جدة التاريخية، وفريق السدرة في القطيف، والكوت في الأحساء، ورغدان في الباحة، وأبا السعود في نجران، ودخنة والطريف والظهيرة والعود والديرة في الرياض، وحارات فوق وأسفل في الطائف، وأحياء شمسان والقابل في أبها، وأسماء أخرى في الشمال و الجوف و حائل وتبوك والقصيم والخرج وغيرها ، لم تكن هذه الجولة بحثًا عن سر أو كثرة الأسماء، بقدر ما كانت محاولة لفهم القيمة التي يحملها الاسم عندما يرتبط بالمكان والإنسان.
وطن متنوع .
ففي جدة التاريخية نجد حارات الشام واليمن والمظلوم والبحر، وهي أسماء أصبحت جزءًا من صورة جدة القديمة وذاكرتها ، وفي الرياض القديمة نجد أسماء مثل دخنة والظهيرة والعود ومعكال ، والمريقب ، والدحو ، والبطحاء، وهي أسماء ارتبطت بأجزاء من المدينة وحياتها الاجتماعية والعمرانية ، وفي الأحساء يبرز اسم الكوت، ذلك الاسم الذي لا يشير إلى حي فحسب، بل يستدعي تاريخًا من التحصين والسكن والحياة في الهفوف ، وفي الطائف نجد حارتي فوق وأسفل، وأسماء أخرى ارتبطت بالمدينة القديمة وموقعها وتكوينها ، وفي نجران يحضر اسم أبا السعود، وفي الباحة أسماء مثل رغدان والظفير، وفي أبها أسماء شمسان والقابل واليمانية وغيرها، وفي حائل أسماء حملتها أحياء المدينة القديمة، وفي بقية مدن المملكة عشرات بل مئات الأسماء التي ما زالت تختزن شيئًا من تاريخ المكان.
الواحة .
وإذا عدنا إلى واحة القطيف، سنجد أن الحكاية أكثر قربًا منا؛ فالأسماء هنا جزء من الذاكرة اليومية التي عاشها الآباء والأجداد ، فريق السدرة، الخان، الديرة، الكويكب، الشريعة، مياس، المدارس، الخضيرة، ، الوسادة ، البستان ، باب الساب ، الدبابية ، أم الجزم ، البحاري ، وغيرها من الأسماء، ليست مجرد تقسيمات مكانية؛ فكل اسم منها يستدعي شيئًا من المكان، وربما حرفة ، أو شخصًا أو شجرة أو سوقًا أو مسجدًا أو طريقًا أو حدثًا ، ولعل أجمل ما في هذه المسميات أن بعضها واضح الدلالة، وبعضها غامض، وبعضها تتعدد حوله الروايات ، وهذا الغموض نفسه جزء من الحكاية ، فقد لا نعرف لماذا سُمّيت حارة أو فريق باسم معين، و نعرف أيضاً أن الاسم عاش مع الناس، وانتقل من جيل إلى جيل، حتى أصبح جزءًا من هوية المكان.
الاسم ،وثيقة غير مكتوبة.
اسم الحارة قد يكون في بعض الأحيان وثيقة تاريخية غير مكتوبة ، فقد يخبرنا عن شجرة كانت موجودة في المكان، أو عين ماء، أو سوق، أو عائلة أو حرفة، أو أسرة، أو مسجد، أو مزرعة، أو اتجاه جغرافي، أو طبيعة الأرض، أو حادثة وقعت في ذلك الموضع ، وقد يكشف لنا الاسم شيئًا عن طبيعة المجتمع نفسه ، فالمدينة القديمة لم تكن مقسمة بالطريقة التي نعرفها اليوم إلى مخططات وأرقام وقطع وشوارع مرقمة ، كان الناس يعرفون المكان من خلال الذاكرة والمجاورة والانتماء.
لوكيشن !
كان الرجل يقول: أنا من الفريق الفلاني، أو من الحارة الفلانية، فيعرف الآخرون أين يسكن، ومن هم جيرانه، وأين المسجد، وأين السوق، ومن أي طريق يصل إلى بيته ، كان المكان يُعرف بأهله، وأهله يُعرفون بمكانهم ، ولهذا فإن اختفاء اسم الحارة أو الفريق لا يعني اختفاء كلمة من الخريطة فقط؛ فقد يعني أحيانًا انقطاع خيط من خيوط تاريخ الذاكرة.
لماذا نحتاج إلى توثيقها؟
لأن هذه الأسماء جزء من الهوية المكانية ،
والهوية لا تسكن في المباني وحدها، ولا في الأبراج والشوارع والساحات؛ بل تسكن أيضًا في الكلمات التي أطلقها الناس على أماكنهم، ثم حملوها معهم من جيل إلى جيل ، ومن هنا تأتي أهمية تثبيت و توثيق هذه المسميات، لا بهدف تجميد المدن في الماضي، وإنما لفهمها ،
أن نسأل: لماذا سُمّي المكان بهذا الاسم؟
ومن أطلق عليه الاسم؟ ومتى ظهر؟
وهل هناك أكثر من رواية لأصله؟
وهل بقي شيء من معالمه يفسر التسمية؟
ومن هم سكانه؟ وما الحرف والأسواق والمساجد والبيوت التي كانت فيه؟
فربما كان خلف اسم صغير، مثل حي المعابدة ، أو السدرة ، أو الطابوق ، أو المنيزلة ، أو الكوت أو المظلوم أو رغدان، أو لينه، أو الغاط ، كتاب كامل من التاريخ الاجتماعي ، ولذلك فإن العودة إلى كبار السن، والاستماع إلى رواياتهم، ومقارنتها بالوثائق والخرائط والصور القديمة الرسمية، يمكن أن تكشف لنا طبقات من تاريخ المدن لا تظهر في الكتب الرسمية وحدها ، فأحيانًا تكون ذاكرة رجل كبير في السن، وهو يصف لك طريقًا أو حارة أو فريقًا، أشبه بخريطة حيّة لم تعد موجودة على الخريطة الحديثة.
خريطتان للمدينة.
بعد هذه الجولة الممتعة بين الأسماء، بدا لي أن لكل مدينة خريطتين:خريطة نراها على الورق، وخريطة أخرى تسكن في ذاكرة أهلها، الخريطة الأولى تحدد الشوارع والمباني والحدود ،
أما الثانية فتحددها الأسماء والحكايات والذكريات ، وقد تتغير الأولى مع الزمن، فتختفي بيوت وتفتح شوارع وتتغير ملامح الأحياء، لكن بعض الأسماء تظل تقاوم النسيان ، ولهذا فإن اسم الفريق أو الحي أو الحارة ليس مجرد عنوان بريدي ، إنه ذاكرة مكان، وشاهد على حياة، وأثر من آثار الإنسان في المدينة ، وربما أجمل ما يمكن أن نفعله اليوم أن نعيد قراءة هذه الأسماء، لا باعتبارها كلمات قديمة، وإنما باعتبارها مفاتيح لحكايات لم تُكتب كلها بعد ، فلكل مدينة حكاية ، ولكل حارة اسم ، ولكل اسم حكاية تنتظر من يرويها.





