أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الالتهام الذاتي… دقة صنع الله داخل الخلية

د. عيسى العقيلي · القطيف اليومالسبت 3 أكتوبر 2026، 8:54 ص
الالتهام الذاتي… دقة صنع الله داخل الخلية

نقوم في بيوتنا بتنظيف الغرف وترتيبها، ونتخلص من الأشياء التي لم نعد نحتاج إليها، ونعيد ترتيب ما تبعثر منها.

لكن هل خطر ببالنا أن أجسامنا تقوم بشيء يشبه ذلك، وبصورة أدق بكثير، ولكن من دون أن نشعر أو نرى ما يحدث؟

داخل خلايانا توجد آلية طبيعية تُعرف باسم الالتهام الذاتي Autophagy، تتعامل من خلالها الخلية مع بعض مكوناتها التالفة أو القديمة، فتفككها وتعيد الاستفادة من بعض مكوناتها.

فالخلية لا تعمل فقط على بناء مكوناتها، بل تمتلك أيضًا نظامًا للتعامل مع بعض مكوناتها التالفة أو غير الضرورية، وإعادة تدوير ما يمكن الاستفادة منه.

فمن الذي هدى هذه الخلية إلى هذا الفعل المنظم والمتكرر، وجعلها تقوم به دون أن نشعر أو نوجهها؟
إنه الله سبحانه وتعالى.

وهذا من بديع صنع الله سبحانه وتعالى؛ فقد أودع في خلايا أجسامنا أنظمة للمحافظة على توازنها والتعامل مع مكوناتها التالفة، في عمل مستمر لا نشعر به ولا نراه.

تنظيف داخل الخلية

يمكن أن ننظر إلى الالتهام الذاتي على أنه نوع من الصيانة الداخلية للخلية؛ فهو يساعدها على التعامل مع بعض البروتينات والمكونات الخلوية التالفة أو القديمة وإعادة تدويرها.

والالتهام الذاتي ليس عملية تحدث في وقت معين ثم تتوقف، بل هو جزء من أنظمة الصيانة الطبيعية داخل الخلية، ويستمر طوال حياة الإنسان بدرجات متفاوتة، منذ بداية الحياة وحتى نهايتها.

لكن هناك فرق بين صيانة الخلية والتخلص من الفضلات التي ينتجها الجسم كله.

فالكلى تطرح كثيرًا من الفضلات عن طريق البول، والرئتان تتخلصان من ثاني أكسيد الكربون، والجهاز الهضمي يتخلص من بقايا الطعام والمواد التي لا يحتاج إليها الجسم، بينما يقوم الكبد بدور مهم في معالجة وتحويل كثير من المواد.

إذن، هناك منظومة متكاملة: الخلية تتعامل مع بعض مكوناتها التالفة، وأعضاء الجسم تتولى معالجة الفضلات والتخلص منها بطرق مختلفة.

والأجمل أن معظم هذه العمليات تجري دون إرادة واعية منا؛ فلا نحتاج إلى أن نأمر القلب أن ينبض، أو الرئتين أن تتنفسا، أو الكليتين أن تطرحا البول، أو الخلايا أن تقوم بعمليات الإصلاح وإعادة التدوير.

إنها تعمل باستمرار، ليلًا ونهارًا، ونحن لا نشعر بتفاصيلها.

عندما يختل هذا النظام

وكما أن زيادة أو نقص بعض عمليات الجسم قد يؤدي إلى مشكلات، فإن اختلال الالتهام الذاتي قد يرتبط باضطرابات وأمراض مختلفة. وقد درس الباحثون علاقته ببعض أمراض الأعصاب والسرطان والالتهابات، لكن العلاقة معقدة وتختلف باختلاف المرض والظروف، ولذلك ما زال هذا المجال محل بحث ودراسة.

كيف يمكن أن ندعم هذه العملية؟

قد يتأثر الالتهام الذاتي بحالة التغذية والصيام والنشاط البدني، ولذلك اهتم الباحثون بدراسة تأثير هذه العوامل في مسارات الالتهام الذاتي داخل الخلايا.

وقد بدأت الدراسات البشرية تعطي مؤشرات على أن الصيام والنشاط البدني يمكن أن يؤثرا في مسارات مرتبطة بالالتهام الذاتي، لكن العلم لم يصل إلى تحديد مدة معينة من الصيام يمكن القول بعدها إن الالتهام الذاتي يبدأ أو يصل إلى مستوى محدد عند جميع الناس.

كما أن النوم الجيد والغذاء المتوازن والنشاط البدني المنتظم يساعد الجسم عمومًا على المحافظة على وظائفه الطبيعية، وقد يكون لهذه العوامل دور في تنظيم بعض هذه المسارات الخلوية.

لذلك لا ينبغي تحويل الالتهام الذاتي إلى فكرة مبالغ فيها، أو اعتبار الصيام وسيلة سحرية لتنظيف الجسم من جميع المكونات الخلوية التالفة؛ فالعملية أكثر تعقيدًا من ذلك.

هل توجد أدوية تحفزه؟

هناك أدوية ومواد ما زالت تحت البحث والدراسة لتأثيرها في تنشيط الالتهام الذاتي، لكن حتى الآن لم تصل الأدلة إلى مرحلة التوصية باستخدامها لهذا الغرض، خصوصًا لدى الأشخاص الأصحاء.

ولذلك لا يُنصح بتناول أي دواء بهدف تنشيط الالتهام الذاتي دون حاجة طبية.

خلايا تعمل في صمت

ربما يكون أجمل ما في هذه العملية أنها تحدث داخلنا دون أن نشعر بها.

نأكل، وننام، ونتحرك، بينما تعمل خلايانا باستمرار على البناء والإصلاح والتعامل مع بعض مكوناتها القديمة وإعادة تدويرها.

وفي الوقت نفسه تعمل الكلى والكبد والرئتان والجهاز الهضمي وغيرها من أعضاء الجسم في منظومة متكاملة للمحافظة على بيئتنا الداخلية.

وكل ذلك يحدث دون أن نوجه للجسم أوامر يومية للقيام بهذه الأعمال؛ إنها أنظمة أودعها الله سبحانه وتعالى في أجسامنا، تعمل في صمت واستمرار.

إن أجسامنا مزودة بنظام فائق الدقة، يعمل ليلًا ونهارًا دون أن نشعر به. وعلينا أن نساعد هذا الجسم على أداء وظائفه بصورة أفضل، من خلال الغذاء المتوازن، والنشاط البدني، والنوم الكافي، وتجنب ما يضر به.

فكلما تقدم العلم في دراسة الخلية، ازداد الإنسان إدراكًا لدقة هذا البناء وعظيم القدرة التي تقف وراءه.

قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21].

الالتهام الذاتي ليس مجرد عملية بيولوجية داخل الخلية، بل نافذة صغيرة نطل منها على عالم بالغ التعقيد، تذكرنا بعظمة صنع الله سبحانه وتعالى في أجسامنا.