كانت «إيمان» صانعة الخير وصانعوه لا يرحلون

بل يبقى ذكرهم خالدًا، ينير درب الخير، ويبعث الأمل في قلوب المحتاجين، فلا تنطفئ شموعهم ولا يخبو ذكرهم، فقد جعلوا قيم العطاء نهجًا، وصفاء القلوب عنوانًا، وبهم تستنير الحياة وتستضيء النفوس.
مع مفاجآت الحياة ومصاعبها، تقدمت النفس بخطوات سريعة للقاء الله، فغابت الآمال، وخمدت أصوات الرجاء، فقد جاء أمر الله، وقد رمقت الأعين عين الله بالدعاء، ولكنه أمر الله لقبض روح المؤمن الصابر إلى أحضان رحمته وعفوه ورضوانه، فلا راد لقضائه ولا معبود سواه.
رحلت إيمان، ولم يكن رحيلًا عابرًا ولا حزنًا طارئًا، بل ألمٌ يطول حضوره، وصبرٌ يصعب حمله، ولم يقوَ على طعم الفراق وصعوبة الغربة دونها، وقد كان غارقًا في حزنه، مهدودًا كيانُه، فهوى بين أيدينا. ولكم هدّ أركاني بكاؤك ونحيبك - أخي أبا عبدالله - ولكم أتعبني رؤية أختها - أم علي - تنتحب وتبكي لرحيلها، وكم عاد بي حزنٌ قارب على دخول عامه الأول برحيل أخيها «علي»، ذلك العطاء والتقوى، فقد آثر إلا أن تكون أخته بجانبه برفقة العترة الطاهرة.
رحلت إيمان بعد عناء وتعب مع المرض، صابرة مسلِّمة أمرها إلى الله، وقبل أن تجف دموعنا على رحيل أخيها «علي»، فأعادت الحزن حزنًا مؤلمًا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
منذ أن صافحتُ أخاها - أبا كريم - وإخوتها وابنيها وأسرتها الأعزاء، وهم يتضوّجون حزنًا لفراقها، إلا وأخذتني العَبرة، لما لهذه المؤمنة من يد بيضاء في مساعدة المحتاجين والقيام على حاجاتهم، بروح يملؤها المحبة والمودة وحب الخير، وقد عملتْ بصمت، وهل يحسن البر إلا ما يكون عفيفًا؟ ولكم كانت نِعم الخلف لأختها الراحلة «أم أنس» في مسيرة العطاء والبذل للمحتاجين، والسعي في مساعدتهم وقضاء حاجاتهم، ولا غرو، فهذه أسرة كريمة سارت بمنهج العطاء، وبذلوا الكثير في هذا المسار العظيم.
فرحم الله هذه المؤمنة الصالحة التي خدمت وقدمت وأعانت فقراء وأيتامًا، حتى في ميدان تدريسها، فصاحب العطاء يفتح الله له أبواب البر في كل ميادين الحياة؛ لأنه أهلٌ لذلك، وساعد الله قلوب محبيها وسائر الأسرة الكريمة، سائلًا المولى الكريم أن يربط على قلوبهم ويلهمهم الصبر والسلوان. فرحيل الأحبة غربة، وما أعظمها من رحلة تغيب عنك الأجساد كأنها لم تكن، وتبقى تحنّ قلوب محبيها إلى عطرها ورائحتها الزكية، وتستأنس برؤية خيالها، وما أجمل أن يرحل الإنسان عن الدنيا وقد زرع الخير فيها، لتثمر لآخرته ثوابًا ورضوانًا.
كلنا راحلون ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، ومنّا من يكتب له عملُه الخيّر دوام الذكر الحسن، ويبقى بره يلامس روح المحتاجين أو صلاح المؤمنين، وبذلك يرسم لنفسه حياة دنيوية معنوية طيبة، تُديم ذكره العطر وقربًا من الله.
ومما أُثر عن سيرة أئمة العصمة؛ حينما افتقد الناس العطايا، فعرفوا أن تلك الصدقات في ظلمة الليلة هي من سيدهم زين العابدين الراحل عنهم، ووجدوا في ظهره وأكتافه أثر حمل الجراب، فقد كانت إلى بيوت الأرامل والمساكين. وقد كان يقول: صدقة الليل تطفئ غضب الربّ، وتنير القلب والقبر، وتكشف عن العبد ظلمة يوم القيامة. وقد كان يرعى مئة أسرة في المدينة من المحتاجين، لم ينظر لكونهم من مواليه، فالإنسانية أوسع قلبًا وأعظم ودًا.
هكذا كانت المرحومة إيمان أبو السعود تعمل الخير والبر ليبقى، وإن ترك رحيل الصالحين حزنًا، لكنه يصنع طريقًا إلى الخير بسيرتهم الخيّرة.
فرحمة ورضوان إلى روحها الطاهرة، ويلبس الله أهلها الصبر والسلوان، وأن يبقى عملها وسيرتها الصالحة طريقًا معبَّدًا لمن أراد عمل الخير وبر الناس.
نقرأ لروحها الفاتحة.



