أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

من المعرفة إلى الممارسة: الحديقة المدرسية الخضراء تعيد تشكيل السلوك البيئي لدى طلاب القطيف

د. هاني آل غزوي · القطيف اليومالأربعاء 7 أكتوبر 2026، 11:27 ص
من المعرفة إلى الممارسة: الحديقة المدرسية الخضراء تعيد تشكيل السلوك البيئي لدى طلاب القطيف

تبدأ القصة من ملاحظة بسيطة، لكنها تكشف فجوة تربوية واسعة: طالب يعرف أن المحافظة على الماء مهمة، ويستطيع أن يشرح معنى حماية البيئة، لكنه قد يمر بعد ذلك بجانب صنبور مفتوح أو يترك مخلفاته في فناء المدرسة دون أن يتوقف عند التناقض بين ما يعرفه وما يفعله. من هذه الملاحظة الميدانية انطلق البحث الإجرائي «أثر توظيف أنشطة الحديقة المدرسية الخضراء في تعزيز السلوك البيئي المستدام لدى طالب المرحلة الابتدائية في مدينة القطيف»، الذي أعده الباحث هاني آل غزوي، محاولاً الانتقال بالتربية البيئية من مساحة الحديث النظري إلى مساحة الممارسة اليومية.

المشكلة التي عالجها البحث لم تكن نقصاً في المعلومات البيئية بقدر ما كانت فجوة بين المعرفة والسلوك. وقد رصد الباحث خلال فترة عمله السابقة وزيارته لمدرسة الجارودية الابتدائية بمدينة القطيف أن الطلاب يبدون فهماً جيداً للمفاهيم البيئية في حصص العلوم والدراسات الاجتماعية، إلا أن الممارسة في الحياة المدرسية اليومية لا تعكس دائماً ذلك الفهم. وهنا ظهرت الحديقة المدرسية الخضراء بوصفها مساحة تعليمية يمكن أن تجعل السلوك البيئي مرئياً ومتكرراً: يزرع الطالب، ويروي، ويراقب، ويفرز المخلفات، ويعيد الاستخدام، ثم يتأمل أثر ما قام به.

الحديقة ليست مساحة تجميلية

يعامل البحث الحديقة المدرسية بوصفها مختبراً تعليمياً، لا مجرد مساحة خضراء في فناء المدرسة. فوظيفتها الأساسية أن تربط المعرفة بالخبرة المباشرة، وأن تمنح الطالب فرصة ليتعلم من الطبيعة ومن العمل معها. ولهذا جاء البرنامج التدخلي متنوعاً، جامعاً بين أنشطة زراعية وبيئية وتوعوية، بما يتيح للطالب ممارسة المفهوم بدلاً من الاكتفاء بترديده.

وتزداد أهمية هذا المدخل في مدينة القطيف؛ فالموروث الزراعي والنخيل والمزارع جزء من الذاكرة المحلية، بينما قلّ الاحتكاك اليومي بهذه البيئة مع تسارع التحضر. ومن ثم تصبح الحديقة المدرسية حلقة وصل بين خبرة محلية أصيلة وتحديات بيئية معاصرة، وتتحول المدرسة إلى بيئة حاضنة للسلوك المستدام.

منهج يبحث داخل الميدان

اعتمد الباحث المنهج الإجرائي، لأنه ينطلق من مشكلة حقيقية يعيشها الممارس في بيئته المهنية، ثم ينتقل عبر دورة من التشخيص والتخطيط والتنفيذ والملاحظة والتأمل. وشارك في التطبيق 30 طالباً من الصفين الخامس والسادس الابتدائي في مدرسة الجارودية الابتدائية، وفق تصميم المجموعة الواحدة بقياسين قبلي وبعدي. وامتد البرنامج ثمانية أسابيع متصلة، واستخدم الباحث مقياساً للسلوك البيئي المستدام مكوناً من 30 فقرة موزعة على أربعة محاور: المعرفة البيئية، والاتجاهات البيئية، والسلوك البيئي اليومي، والمشاركة البيئية.

ثمانية أسابيع من التعلم الذي يحدث بالفعل

لم يبنَ التدخل على نشاط واحد، بل على سلسلة متدرجة من الخبرات. بدأت الأسابيع بالتهيئة والتعريف بالحديقة وأهدافها، ثم انتقلت إلى الزراعة والري والتسميد، وصولاً إلى إعادة التدوير والزراعة العمودية والتوعية البيئية واليوم البيئي المفتوح. ومن بين الأنشطة التي تضمنها البرنامج تدريب الطلاب على فرز النفايات إلى ورقية وبلاستيكية وعضوية، وبناء نماذج للزراعة العمودية تناسب المساحات الصغيرة، إلى جانب أنشطة مرتبطة بالعناية بالنباتات وترشيد المياه.

هذا التنوع كان مقصوداً؛ لأن السلوك البيئي المستدام لا يتكون من معلومة منفردة. المعرفة تحتاج إلى اتجاه إيجابي، والاتجاه يحتاج إلى فرصة للممارسة، والممارسة تحتاج إلى مشاركة تجعل الطالب طرفاً فاعلاً في البيئة المدرسية. لذلك جمع البرنامج بين النشاط الزراعي المباشر، والممارسات البيئية المساندة، والرسائل التوعوية والمشاركة الجماعية.

ماذا قالت الأرقام؟

قبل تنفيذ البرنامج، أظهر القياس القبلي أن مستوى السلوك البيئي المستدام لدى أفراد العينة كان في المستوى المتوسط المنخفض، وبلغ المتوسط الكلي 1.98 بانحراف معياري 0.33. وكانت مستويات المحاور الأربعة متقاربة: المعرفة البيئية 1.96، والاتجاهات البيئية 1.99، والسلوك البيئي اليومي 1.99، والمشاركة البيئية 1.98. وهي نتيجة تنسجم مع الملاحظة الميدانية التي شكلت نقطة انطلاق البحث: الحاجة لم تكن محصورة في جانب واحد، بل شملت المعرفة والاتجاه والممارسة والمشاركة.

بعد ثمانية أسابيع، تغيرت الصورة بصورة واضحة. بلغ المتوسط البعدي للمقياس 78.77 بانحراف معياري 8.80، مقابل 59.43 في القياس القبلي بانحراف معياري 10.01، أي بفارق 19.34 درجة لصالح القياس البعدي. وأظهر اختبار “ت” للعينات المرتبطة قيمة بلغت 18.228 بدرجة حرية 29، عند مستوى دلالة 0.001، وهي نتيجة دالة إحصائياً عند المستوى المعتمد في البحث.

ولم يتوقف التحليل عند وجود فرق إحصائي، بل قاس الباحث حجم الأثر. فبلغت قيمة كوهين d للمقياس الكلي 3.328، وبلغ مربع إيتا 0.920. كما تراوحت قيم حجم الأثر في المحاور الأربعة بين 2.06 و2.42، وكانت أعلى قيمة في محور الاتجاهات البيئية، ثم السلوك البيئي اليومي، فالمعرفة البيئية، ثم المشاركة البيئية. وتمنح هذه المؤشرات البحثية معنى أعمق للنتيجة: البرنامج لم يرتبط بمجرد ارتفاع في الدرجات، بل تزامن مع تغير كبير في المؤشرات التي صمم لقياسها.

من القياس إلى المعنى التربوي

اللافت في النتائج أن الحديقة لم تعمل باعتبارها نشاطاً منفصلاً عن التعليم، بل باعتبارها سياقاً تعليمياً متكاملاً. فالطالب حين يزرع لا يتعلم الزراعة فقط؛ وحين يفرز النفايات لا يتعلم التصنيف فقط؛ وحين يتابع استهلاك الماء لا يتعلم رقماً فقط. في كل مرة تتصل المعلومة بالفعل، ويصبح السلوك قابلاً للملاحظة والتكرار والتقويم. وهذا هو التحول الذي حاول البحث توثيقه: الانتقال من “المعرفة عن البيئة” إلى “المعرفة من خلال البيئة ومن أجلها”.

وتتفق هذه النتيجة مع الاتجاه الذي عرضته الدراسات السابقة في البحث، إذ أشارت مراجعات ودراسات متعددة إلى أن برامج الحدائق المدرسية تكون أكثر فاعلية عندما تجمع النشاط العملي المتكرر بالدعم المؤسسي والمشاركة الأسرية. كما يتقاطع ذلك مع طبيعة البحث الإجرائي نفسه، الذي يسمح للممارس بأن يلاحظ ما يحدث في الميدان ويعيد ضبط ممارسته في ضوء الاستجابات والنتائج.

ما الذي يمكن أن تتعلمه المدرسة من التجربة؟

تكشف التجربة أن التربية البيئية تصبح أكثر حضوراً عندما تدخل في تفاصيل اليوم المدرسي، لا عندما تبقى موضوعاً موسمياً أو فقرة في كتاب. ولهذا خلص البحث إلى أن الحديقة المدرسية يمكن أن تؤدي وظيفة تربوية تتجاوز التشجير؛ فهي مساحة للتعلم بالممارسة، ولتنمية المسؤولية، ولتعزيز العمل الجماعي، ولتحويل القيم البيئية إلى عادات يمكن ملاحظتها وقياسها.

ويقدم البحث، في الوقت نفسه، نموذجاً عملياً قابلاً للتكييف. فنجاح الفكرة لا يتطلب بالضرورة مساحة كبيرة أو تجهيزات معقدة؛ إذ أشار البحث إلى إمكان استخدام الزراعة العمودية والمساحات المحدودة، مع ربط الأنشطة بأهداف تعليمية واضحة. والأهم أن تكون الحديقة جزءاً من الخطة التعليمية، لا نشاطاً إضافياً يعتمد على حماس فردي مؤقت.

من توصية إلى ممارسة مؤسسية

في ضوء النتائج، أوصى البحث بتخصيص مساحات للحدائق المدرسية الخضراء في المدارس الابتدائية بالمنطقة الشرقية، ولو بمساحات محدودة، وتجهيزها بالحد الأدنى من الموارد. كما أوصى بإدماج أنشطة الحديقة في الخطة الفصلية للمدرسة، وربطها بمواد مثل العلوم والتربية الإسلامية والاجتماعيات، حتى تصبح الممارسة البيئية جزءاً من المنهج الفعلي.

ومن التوصيات أيضاً تدريب المعلمين والمعلمات على إدارة الحديقة بوصفها مختبراً تعليمياً، وليس مساحة زراعية فحسب، مع التعريف بالبحث الإجرائي باعتباره أداة للتطوير المستمر. ودعا البحث كذلك إلى تشجيع المعلمين والباحثين على استخدام هذا المنهج في معالجة المشكلات الصفية واليومية، بما يسمح بتحويل الملاحظة الميدانية إلى سؤال، والسؤال إلى تدخل، والتدخل إلى دليل يمكن الاستفادة منه.

نتيجة مهمة… وحدود يجب ألا تُنسى

على الرغم من قوة الفروق المرصودة، تعامل البحث مع نتائجه ضمن حدوده المنهجية. فقد طبقت الدراسة على عينة قصدية من 30 طالباً في مدرسة واحدة، وباستخدام تصميم المجموعة الواحدة بقياس قبلي وبعدي دون مجموعة ضابطة، وذلك لأسباب لوجستية مرتبطة بالبيئة المدرسية. ولذلك يقدم البحث نموذجاً قابلاً للتطبيق والاختبار في سياقات أوسع، ولا يقدم حكماً نهائياً يمكن تعميمه دون تحفظ. كما اقترح إجراء دراسات مستقبلية بتصاميم تجريبية ضابطة لتعزيز قوة الاستدلال السببي.

الخلاصة: حين تصبح المدرسة جزءاً من الحل

الرسالة الأوضح التي يتركها هذا البحث هي أن السلوك لا يتغير دائماً بمجرد أن نطلب من الطالب أن يعرف. أحياناً يحتاج الطالب إلى مكان يمارس فيه ما تعلمه، وإلى نشاط يتكرر، وإلى جماعة تشاركه التجربة، وإلى معلم يلاحظ ويتأمل ويعدل ممارسته. في تجربة مدرسة الجارودية الابتدائية، تحولت الحديقة خلال ثمانية أسابيع إلى مساحة لهذا النوع من التعلم، وأظهرت القياسات فرقاً كبيراً بين ما قبل التدخل وما بعده.

ومن هنا يمكن قراءة الحديقة المدرسية الخضراء بوصفها أكثر من مشروع بيئي صغير؛ إنها نموذج تربوي يربط التعليم بالحياة، ويمنح المدرسة فرصة لأن تكون شريكاً عملياً في بناء السلوك المستدام. وحين تتبنى المدرسة هذا المنطق بصورة مؤسسية، يصبح الهدف أبعد من زراعة نبات أو فرز نفايات: يصبح بناء طالب يرى أثر سلوكه، ويتحمل مسؤوليته، ويستطيع أن ينقل ما تعلمه من فناء المدرسة إلى البيت والمجتمع.

الحاشية:

مقال مستخلص من البحث الإجرائي للباحث الدكتور هاني آل غزوي 2026م.

شكر خاص للأستاذ مصطفى آل درويش، ولإدارة المدرسة على ما قدمته من ثقة في التعامل وتسهيلات لوجستية.

بلدات:القطيف