أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

القراءة ليست مجرد قراءة

محمد الصغير · القطيف اليومالأربعاء 7 أكتوبر 2026، 11:43 ص
القراءة ليست مجرد قراءة

يمر المقال بمراحل متعددة، تبدأ من الفكرة، ثم الكتابة والتدقيق والمراجعة أكثر من مرة، حتى يرى الكاتب أنه أحاط بجوانب الموضوع حسب استطاعته، وأنه أصبح جاهزًا للطرح.

لكن عندما يخرج المقال من بين يدي كاتبه إلى القراء، ويقرأه الآخرون ويبدون آراءهم وملاحظاتهم، قد يكتشف الكاتب أن هناك بعض الثغرات أو الجوانب التي تحتاج إلى إضافة أو توضيح، وربما تظهر فكرة لم ينتبه إليها أثناء الكتابة.

والكتابة في النهاية اجتهاد شخصي يقوم به فرد واحد، مهما كانت خبرته وثقافته، ولذلك قد يفوت على الكاتب أحيانًا ما لا يفوت على مجموعة من القراء؛ فكل إنسان يرى الموضوع من زاوية مختلفة، وقد ينتبه أحدهم إلى أمر لم ينتبه إليه الكاتب.

كما أن المقال عندما ينشر قد يمر بمراحل مختلفة من التدقيق والتمحيص والتحرير من موقع إلى آخر، وقد يخضع في بعض المواقع لمراجعة وتهذيب وتشذيب من مدققين ومحررين متمرسين.

وهذا لا يعني أن الكاتب لم يجتهد أو أن ما كتبه غير جيد، وإنما يؤكد أن النص، مهما بذل صاحبه من جهد، قد يبقى بحاجة إلى عين أخرى تقرأه من زاوية مختلفة.

ومن هنا فإن كل ملاحظة أو إضافة أو تبادل للرأي لا يعد انتقادًا للكاتب، بل هو فرصة جديدة لتحسين ما كتب، ويدفعه إلى مراجعة أفكاره وتلافي بعض النواقص قدر الإمكان.

نرى بعض الردود والتعليقات على بعض المقالات، وبصراحة بعضها عظيم جدًا، وينبئ عن وعي وثقافة صاحبه، سواء كان رده إيجابيًا أم سلبيًا على المقال.

وأحيانًا يكون رد القارئ أكثر صوابًا من المقال نفسه، أو يضيف فكرة مهمة لم ينتبه لها الكاتب، وهذا يدل على أن القراءة ليست مجرد قراءة للكلمات، وإنما هي فهم وتحليل وتفكير وتفاعل مع الفكرة.

والكاتب الواعي هو الذي لا يبحث فقط عمن يؤيده، وإنما يستفيد أيضًا ممن يختلف معه؛ لأن الاختلاف، عندما يكون مبنيًا على المعرفة والفهم، قد يفتح بابًا جديدًا للفكرة ويجعلها أكثر نضجًا.

ولذلك فإن بعض الردود التي نقرأها على المقالات تستحق التوقف عندها؛ فهي لا تكون مجرد تعليق عابر، وإنما تحمل ثقافة وتجربة ورؤية، وربما تفتح للكاتب نفسه بابًا لم يكن يراه.

فالقراءة الحقيقية لا تنتهي عند آخر سطر في المقال، وإنما تبدأ بعدها مرحلة التفكير والحوار وإبداء الرأي.

والكاتب، مهما بلغ من الخبرة، يظل يتعلم من قرائه، وقد تكون ملاحظة بسيطة من أحدهم سببًا في إضافة فكرة مهمة، أو تصحيح مسار، أو اكتمال صورة لم تكن واضحة من قبل.

ولهذا تبقى الكتابة رحلة مشتركة بين الكاتب والقارئ، يلتقي فيها الفكر بالرأي، ويصبح الحوار وسيلة للارتقاء بالنص وتجويده.

وقد يكون أجمل ما في الكتابة أن الفكرة لا تبقى ملكًا لصاحبها بعد أن يطرحها، بل تصبح مساحة مشتركة للتفكير والنقاش والإضافة، ومن هنا يمكن أن يولد من مقال واحد أكثر من فكرة وأكثر من رؤية.

فالكاتب يكتب ما يراه ويجتهد فيه، والقارئ يقرأ ويفكر ويضيف، وقد يكون في تعليق واحد ما يجعل الكاتب يعيد النظر في فكرة أو يكتشف جانبًا جديدًا لم يكن حاضرًا في ذهنه.

وهذا هو المعنى الحقيقي للقراءة الواعية؛ فهي لا تكتفي بأن تقول: أعجبني أو لم يعجبني، وإنما تحاول أن تفهم وتناقش وتضيف وتختلف باحترام.

وفي النهاية، لا يوجد كاتب يملك الحقيقة كاملة، ولا قارئ يملكها كاملة، ولكن عندما يلتقي فكر الكاتب بوعي القارئ، يصبح الحوار طريقًا أجمل للوصول إلى فكرة أكثر نضجًا وأقرب إلى الصواب.

فالكاتب يضع فكرته أمام الناس، والقارئ يمنحها حياة أخرى من خلال قراءته وفهمه ورأيه، وربما تكون أجمل نتيجة للمقال ليست أن يتفق الجميع معه، بل أن يفتح بابًا للتفكير، ويجعل كل قارئ يرى الموضوع من زاوية جديدة.

وهنا تصبح الكتابة أكثر من مجرد كلمات مكتوبة؛ فهي تواصل بين عقول وتجارب مختلفة، ومساحة يلتقي فيها الكاتب والقارئ، على اختلاف آرائهما، من أجل فكرة تستحق أن تُقرأ وتناقش وتُثرى…