أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سقوط الآداب أم سقوط الأقنعة؟ (٨): زيف الأقنعة وأخلاق الصداقة الحقيقية

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالأربعاء 7 أكتوبر 2026، 2:09 م
سقوط الآداب أم سقوط الأقنعة؟ (٨): زيف الأقنعة وأخلاق الصداقة الحقيقية

من المسارات التي يسلكها أصحاب الأقنعة المزيفة: التجميع الذهني لمختلف كلمات الآخر ومواقفه، والتذكير بها واستعمالها في مناخ الملاطفة والمزاح، بينما الحقيقة أنها توظيف لسقطات وعثرات وأخطاء من يدّعي صداقته من أجل مآرب شخصية.

بينما الصداقة الحقيقية مطمر لنقاط الضعف، ورحمة بصاحبها، وعمل من أجل تخلّصه منها بواسطة النقد الإيجابي الرقيق، ومساعدته لتكوين لباس يليق به من خلال الترفع والتنزه عن تلك النقائص والعيوب؛ وخصوصًا إذا ما بلغت الثقة بينهما أوجها، وأباح له ببعض خصوصياته وأسراره طلبًا للمشورة أو التنفيس عما يثقل صدره، أملًا بأن تكون تلك الأسرار في عهدته وذمته، فيضعها في صندوق مقفل ولا يعطي مفتاحه لأحد.

ومن المؤلم في بعض الصداقات أن تتحول تلك البؤرة -الدالة على عظيم ثقته بالآخر- إلى موضع تألم وندامة، بعد اكتشاف أنه وضع ثقته في غير محلها عند من ائتمنه على ما يخفيه عن الناس، ثم يجد عنده الفضيحة بدلًا عن الستر والحفظ، وينقلب مشهد الأمان والاطمئنان إلى استغلال سيئ لتلك الأسرار. ولهذا كانت الصداقة ميدانًا للأمانة بكل أبعادها بما يدل على المحبة والاحترام بشكل عملي؛ فالصداقة ليست مجرد علاقة اجتماعية، بل هي مساحة يتجلى فيها أجمل ما في الإنسان من وفاء ورأفة وأدب وكتمان لخصوصياته بعيدًا عن أعين المتلصصين.

وأما مبدأ المصارحة وطرح وجهة النظر بشفافية ووضوح بعيدًا عن التعميات والتمويهات، فإنه عماد الاستمرارية والتنمية في علاقة الصداقة؛ فهي قيمة أخلاقية حين يكون هدفها المعالجة والإصلاح والنقد الإيجابي، وتشكيل قناعات وفق مستندات عقلية تدعمها. ولكن حين تتحول إلى وسيلة لتبرير القسوة، أو استعراض التفوق، أو تفريغ الغضب، فإنها تفقد قيمتها وتصبح معول هدم لتلك العلاقة، وإحداث فجوة بين الطرفين. فليس كل كلام جارح ومؤذٍ يعبر عن الحقيقة ويُجاز التفوه به؛ إذ يمكن للإنسان أن يقول الحقيقة بوضوح وبأسلوب يحفظ كرامة الآخر ولا يجرح مشاعره، ولكن البعض يلبس قناع الصديق النصوح ليتخذ من الحقيقة ستارًا لإيذاء مشاعر الآخرين.

وحدوث اختلاف في الرؤى والنظر للأمور والأحداث أمر طبيعي ينشأ من الخلفيات الفكرية والثقافية للفرد، ووجوده بين الأصدقاء لا يعد مشكلة حقيقية إذا أمكن إدارة الزوايا فيه باحترام الآخر في قناعاته دون فرض شيء عليه. ويكشف ذلك عن رقي في التعامل ونضج لتلك الصداقة، حيث إن الاختلاف يكشف عن قدرة الإنسان على احترام من لا يشاركه الرأي. فالصديق الناضج لا يرى في اختلاف بعض مرئيات صديقه تهديدًا لمكانته أو نوعًا من التهجم عليه، ولا يعد تباين الأفكار انتقاصًا من المحبة التي يكنها له صديقه، بل يدرك هذه الحقيقة المهمة، وهي: أن وحدة القلوب لا تستلزم تطابق العقول كشخصية مستنسخة منه في كل شيء.

وروح التسامح مع الزلات غير المقصودة -والتي هي هفوات ناشئة من طبيعة الإنسان- تطمر روح الخلاف والخصومة بين الأصدقاء؛ فذلك الاعتذار عما حدث يرطب العلاقات ويشعره بمحبة وتقدير صاحبه. ولكن حين تتحول الإساءات المتكررة إلى أشبه بالمشهد المستمر حتى تتحول الزلات إلى عادة، فحينئذ يصبح الاعتذار تكرارًا لفظيًا مملًا وفارغًا من أي مضمون ما دام لا يصحبه أي تغير في السلوك. فالمودة تُقاس بقدرة الإنسان على حفظ كرامة صديقه عند الغضب، وصيانة سره عند الخلاف، والاعتراف بخطئه حين يتجاوز حدوده.