القراءة ليست مجرد قراءة (2)

تحدثنا في الجزء الأول عن القراءة وكيف أن القارئ قد يقرأ الموضوع ثم يكتب تعليقًا أو رأيًا يكشف عن وعي وثقافة وربما يضيف إلى الموضوع أكثر مما يتوقع الكاتب.
وهذا في حد ذاته أمر جميل، فالكاتب يطرح فكرته والقارئ يقرأها بطريقته، وقد يرى فيها ما لم ينتبه إليه الكاتب أو يضيف إليها فكرة جديدة.
ومن هنا يأتي جانب آخر من الكتابة في وقتنا الحاضر، وهو الاستعانة بالذكاء الاصطناعي.
ونحن نعلم أن هناك من يستعين بالذكاء الاصطناعي في كتابة مقالاته أو ترتيب أفكاره أو تحسين صياغتها، وهذا في رأيي ليس عيبًا بحد ذاته.
فقد تكون عند شخص فكرة جميلة ومهمة، لكنه لا يعرف كيف يرتبها أو يوصلها بالشكل الذي يريده، فيستعين بالذكاء الاصطناعي ليساعده في ذلك.
وفي النهاية، الذي يهمني كقارئ هو ماذا يريد الكاتب أن يقول، وهل الفكرة جيدة، وهل الموضوع واقعي، وهل فيه شيء يستفيد منه القارئ.
فليس المهم فقط من كتب الكلمات وكيف صيغت الكلمات، وإنما المهم ما وراء هذه الكلمات.
ومع ذلك، أعتقد أن الكتابة الشخصية تبقى أجمل.
عندما يكتب الإنسان من تجربته ومن الأشياء التي عاشها وشاهدها، يشعر القارئ بأن هناك إنسانًا خلف هذه الكلمات، وأن الموضوع لم يأت من فراغ.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعدنا في ترتيب الكلام وصياغته، لكنه لا يستطيع أن يعيش تجربتنا، ولا أن يشعر بما شعرنا به، ولا أن يتذكر ما عشنا من مواقف.
ومن وجهة نظري، لا بأس أن نستعين بهذه الأدوات، لكن الأجمل أن تبقى الفكرة من الإنسان، وأن يكون له حضوره وبصمته في الموضوع.
فالأداة تساعدك في التعبير عن فكرتك، لكنها لا ينبغي أن تكون هي صاحبة الفكرة.
وقد يكتب شخص مقالًا بمساعدة الذكاء الاصطناعي ويكون مقاله جيدًا ومفيدًا، وقد يكتب آخر بنفسه ويكون مقاله ضعيفًا.
العبرة في النهاية ليست بطريقة الكتابة وحدها.
العبرة بالفكرة وبصدقها وبالمضمون وما تضيفه للقارئ.
فالكاتب قد يستعين بأداة، ولكن لا ينبغي أن يستعين بها بدلًا من فكره.
القراءة ليست مجرد قراءة.
وكذلك الكتابة ليست مجرد كلمات.
قد تكون وراء كلمات بسيطة فكرة جميلة تستحق أن نتوقف عندها…



