زمن الطيبين

كثيرا ما نستمع إلى مصطلح ( زمن الطيبين ) و الذي يتغنى به البعض ، مشيرا إلى تلك الفترة الذهبية على مستوى الفرد و المجتمع ، فتداعب الخيال تلك الذكريات الجميلة التي تحمل بين طياتها كل تلك الصور الناصعة ، الحاكية عن وجه مشرق ينم عن قدرات و نجاحات استطاع الناس حينها إنجازها ، أو تشير إلى المستوى الأخلاقي و الاجتماعي الذي كان يسود فيه الطيبة و التسامح و صفاء القلب و حب الخير للآخرين ، فترى التعاضد و الثقة تحكم علاقة الناس ، بعيدا عن عالم صاخب بالمشاكل و الخلافات كما يوسم به عصرنا الحاضر ، فساد القلق من مستقبل مجهول لا تعلم بما تخبيء فيه الأيام من أزمات .
بلا شك أن أي فترة زمنية عاش فيها الناس في رحاب العدالة الاجتماعية هي ناصعة و جميلة ، و التي انعكست على أحوال الناس بالرخاء و الرفاهية الاقتصادية ، و صان المجتمع للفرد فيه كرامته و حريته و حقوقه ، عالم تختفي منه علائم الظلم و العدوان و الحروب و الأزمة الغذائية .
و أما عهود القهر و التفرعن و الفوضى في مختلف المناحي الحياتية من فقر و انتشار الأوبئة و تقييد الكلمة و تكميم الأفواه ، فهي صفحات سوداء في تاريخ الإنسان يندى لها الجبين و يخجل المرء من ذكرها أو مجرد الإشارة لها ، و يتمنى حذفها من ورقات الزمن فهي ليست إلا عصور ظلام و تخلف .
فمثلا عاشت أوروبا عصر الظلام لما كانت عليه حياة الناس من التخلي عن تنمية المدارك العقلية ، و سيادة فوضى الفساد و الجرائم الممنهجة ، و أما عصر النهضة الصناعية و ثورة التقنيات فهي ذروة التحضر و العلياء الإنسانية و التي يذلل فيها الإنسان و يطوع الموارد الطبيعية و يتفتق ذهنه عن الاختراعات و الاكتشافات .
و على المستوى الفردي تحن الذاكرة إلى عهد الطفولة البريئة البعيدة - كل البعد - عن الكراهيات و الخلافات ، فليس هناك من مسئوليات تثقل كاهله بل هناك ممارسة يومية بسيطة يقضيها باللعب و المرح مع أصدقائه ، أما اليوم و مع ازدحام الحياة بالصخب و الانشغالات التي لا تسمح للفرد بالاستمتاع باللحظات الجميلة أو تبادل الزيارات لأرحامه و أصدقائه فهي مرحلة لا ترتضيها النفوس الطيبة .
و الحقيقة - عندي - أن جيل الطيبة و الشهامة و المروءة و تنمية نواحي الحياة لم تخل منها فترة ما ، كما أنه مع وجود النزعات الإنسانية للشهوات و الجشع و حب الذات الطاغي ، لن تختف روح قابيل و فرعون و قارون بل و يمارسها بعض الأفراد على مستوى محيطه الأسري و الاجتماعي ، في ظاهرة تتكرر في التاريخ البشري لتعلن غلبة الشهوات على حاكمية العقل .
المسألة نسبية في حجمها و مداها ، و لكن نزعة الخير و تطوير المجتمع أو نزعة الشر و انتشار الظلم لن تختفي إحداها و لكن نور الطيب يتوهج أحيانا و يخبو أخرى ، و نار الفساد تستعر وقتا و تخف أحيانا .
و أما على المستوى الفردي فتختلط المشاعر العاطفية بالأحكام و التصورات ، فزمن الشباب و كبر السن يتشارك مع عهد الطفولة في إمكانية المرء للعطاء و المشاركة الفعالة في التنمية بأفكاره و عمله المثابر.
نعم يتباكى الإنسان و يتأسف لما آلت إليه أحوال البعض في وقتنا الحاضر لطغيان الحياة المادية و ضرب القيم بجدار الحائط و انحسار التواصل الاجتماعي ، و لكن عين الإنصاف تستدعي النظر و ذكر حالات التقدم العلمي و صور التراحم و الالتزام بالقيم و المظاهر الأخلاقية ، فكما أن الشر و الطغيان له وجوده و مفاعيله ، فالنبل و صنع المعروف له أهله ، فزمن الطيبين مفهوم لكل الصور الجميلة التي يتألق فيها فكر و سلوك الإنسان على امتداد البشرية .



