أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الناصحون

سراج ابو السعود · القطيف اليومالأربعاء 21 مارس 2018، 6:26 ص
الناصحون

ثمة خيط دقيق بين مفهوم النصيحة وبين التدخل في خصوصيات الاخرين، فالنصيحة التي تعني الارشاد الى ما هو صحيح او ما هو اصح، تعني ان المتكلم يمتلك من التفاصيل ما يجعله قادرا -ان قدم توجيها- على ان تكون له قيمة معرفية يجهلها الطرف الاخر او لعله غافل عنها، كما يعرف ان الطرف الاخر يقبل منه ذلك بعد استيفاء الشرطين، التدخل كما افهمه هو التوجيه لفعل او ترك اشياء لا يفهم المتكلم حقيقتها بشكل دقيق ويرفض دون مبرر فهم تفاصيل من شأنها تغيير رأيه، وبالنتيجة فانه يجهل عاقبة الامتثال لاوامره، ليس ذلك فحسب، بل انه لا يمنح الطرف الاخر الحق في قبول او رفض ما يعتقدها نصيحة، فهذه (النصيحة) هي في حقيقتها نوع من الاستبداد بالرأي الذي يحمل معنى التخيير بين الانصياع من جهة، او القبول بان يوصف بالعنيد الذي لا يستمع لاصحاب التجارب ويستحق دائما ان يُتلى عليه الاية الكريمة: (ولكن لا تحبون الناصحين).

التسارع الكبير في المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية اسهم في حدوث بون شاسع بين شريحة بقيت متقوقعة حول ذاتها رافضة للتامل فيما يجري وفهم حقائق الامور بشكل اوضح وبين فئة رأت ان العالم يسابق الضوء في التقدم وما لم يجتهد الانسان في متابعة المتغيرات بشكل دقيق فانه سيبقى عاجزا عن الفهم واقل قدرة على الادلاء برأي حصيف يرشد به نفسه قبل الاخرين، اهمية الحديث حول هذا الامر هو الاسلوب الذي تمارسه نسبة من جنس (المربي) سواء كان اسرة او معلم او امام مسجد والذي يقدم من خلاله مجموعة كبيرة من الاوامر والنواهي التي قد تودي بصاحبها الى الهلاك حين الامتثال من حيث لا يشعر، هكذا شخص ينبغي له معرفة ان ثمن الخطأ في النصيحة سيتحمله غيره في حين سينام هو قرير العين دون ادراك حجم الاسى الذي تسبب به لغيره، التخصص الجامعي، شراء منزل، تغيير عمل، اختيار زوجة وغيرها من القرارات المصيرية لا يمكن بحال من الاحوال ان يقدم شخص قرارا يلزم به غيره من دون ان يكون متأكدا بدرجة تصل الى اليقين من حسن عاقبة ما يفعل، حتى الساعة لم تنقرض شريحة الامرين بالمنكر والناهين عن المعروف، السبب ليس النفس الشريرة، السبب كما اراه هو الاذن غير المنصتة والتي تمارس ذلك مع سبق الاصرار والترصد، حتى وان ادعت الانصات فانها في حقيقة الامر تنتظر فقط دورها في الحديث، ولو استطاعت لكممت افواه الجميع وبقيت هي، وهي فقط من تسمع للسانها.

يتغير هذا العالم الكبير يوما بعد يوم بطريقة متسارعة، عاش التاريخ الاف السنين المتشابهة، ولكنه في قرن واحد عاش مختلفا عن كل ما سبق، وفي كل عام قادم يبدو التقدم اسرع من ان يُفهم، هذا يعني ان انسان هذا العصر يختلف كثيرا في ادراكاته ومشاعره ونظرته للامور عن سابقيه، وما لم تعِ الاجيال ذلك فانها ستبقى تمارس دور الوصاية على الاجيال التالية دون ان تملك من العلم والثقافة ما يمكنها من ذلك، فتتسبب من حيث لا تدرك بعواقب وخيمة جدا لا يتحمل عواقبها السيئة الا من امتثل لها، اما الناصح فانه اكثر اللاهين عن هموم غيره وآلامه، واكثر سعادة بحياته الهانئة،،