عن عيد الأم ..أخجل التحدث

بأجمل الكلمات وأعذب العبارات،
وأرق الأغنيات،
وأغلى الأمنيات ،
وأثمن الهدايا والتبريكات
تنهال منثورة في يوم عيد الأم ، إنه استحقاق فطري أم تذكار عصري، أم الاثنين معًا، النفوس السوية مجبولة على الاعتزاز به أيما اعتزاز . وهل المسألة عندنا تمثل غريزي أم مجرد تقليد مكتسب ، أنا يكن الأمر فالاحتفال به يسعد البعض وقد يرتاب منه الآخر ! من هو هذا الآخر؟ أنا ، أنت ، البيئة ، القبيلة،المجتمع ،التاريخ ، العادات، التقاليد ، الأعراف ...،من هو؟ دعونا نقلب صفحات شعرنا العربي (باستثناء الحديث ) منه، فلن نعثر على قصيدة تمجد مكانة الأم سوى بعض المرثيات النادرة ، فلم تتفتق قرائح شعراء العرب العظام في تلك الأزمنة الغابرة بأن تخاطب الأم مباشرة في حضورها وهي لم تزل على قيد الحياة وليس بعد الارتحال من الدنيا ! شعرهم من مدح وتبجيل بعد غيابها الأبدي لم يصلها شيء منه، فالمرثية الحزينة الموجعة بأبياتها البلاغية لن تأنسها في مرقدها، وإن كان كل مايقال عنها مشاعر جياشة حقيقية أصدق من أي تعبير ، وتكمن المفارقة العجيبة مدى الحماسة الطاغية عندهم في وصف قائد البلاد المظفر، لينالوا رضاه وبستجدون عطفه وكرمه ببضعة دراهم أو جارية حسناء ، وماذا عن تأليههم للسلطان في حضرته الطاووسية ليظفروا بولاية أو إمارة !
ما سبب هذا التملق
الدنيوي الزائل والزائف ! سؤال حائر ؟ تأبى فحولة الشعر أن تقترب من خدرها ،عار على الشعر وقائله وحافظه أن ينبس ببنت شفه لمجرد ذكر ظلها ! فلم يزحزح الإسلام من تغير المفاهيم المتوارثة، ياشعرنا العربي يامفخرة العرب ،مدحت الفرس والصحراء والإبل والغزال والكلب والحمار، وأسهبت وصفا وتغزلا، لكنك لم تجرؤ لذكر لفظة الأم سوى عند الحيوانات ! أيا ليت الشعر وقف عند تلك الأزمنة ،لكن العرق دساس ، عقلاء الذكورة في القرن الواحد والعشرين يستحوا من ذكر أسماء أمهاتهم ! ولايلتفتوا لذكر اسم السيدة مريم بنت عمران الذي كرمها الله في كتابه المنزل ، وخصها بسورة من سوره ، هذا الاسم المبارك ،هو اسم والدتي به أعتز وأفخر ،أبكتني في صغري حينما تعيد لي سرد قصة (مريم -ع) وبجانبي خبزها المخصص لإحياء ذكرى وفاتها ،وبدهشة لم يصدق أحد الأخوة المسيحيين حين أبلغته بأننا نحيي ذكرى رحيلها !.
لكم يتذكر أبناء الأرض أمهاتهم اللاتي أنسلتهم من رحمها ، نفر من جماعات بل مجتمعات متعددة يتباهون فخرًا بعيدها، ينثرون ألوانا من الفرح على هامتها ويكافئونها بهدايا معنوية ومادية عرفانا وامتنانا بتعظيمها ، هناك طقوس متوارثة لبعض الشعوب وأخرى عصرية تحتفل بمراسيم كرنفالية في عيدها المبجل والأجمل تكريم في حضورها البهي ، إنها تتنفس طعم الوفاء في حياتها، إلا نحن ؟ من نحن ؟
يانون النسوة ياضجيج من قسوة فلم يزل من يفاخر بك تهميشا وتبجحا ونسيانا ونكرانا ! هم وهن ، وأنا وأنت !!! ، نمر كل يوم على مدارس البنات ونغلط في الأرقام ؟!( المدرسة السادسة والعشرون ، والمدرسة الستون ) ، فالأرقام هن السيدات الماجدات ؟ في صغري ضربت وضربوني لمجرد ذكر اسم الأم! في كل حارة (هوشة) ومعركة ! ونكبر وتكبر معنا عقدنا ،في بداية التسعينات الميلادية أمرني الأخ الفنان (محمد المصلي) بخط إعلانات المعرض الأول للفنانة (حميدة السنان) بمجرد أن علقت اللافتات البيضاء في الشوارع وبعد أقل من ساعة على عرضهم إلا والأقمشة الخطية ممزقة إربًا إربا !؟ ملقاة على الأرض تدوسها الأرجل ؟!
كيف يعلق اسم إمرأة أمام المارة ، هذا منكر وحرام !! نعم ذكر أسمائكن معيبة ، بل مصيبة تؤدي بنا إلى التهلكة ! لكم أخرسونا من صعدوا فوق المنابر بأنواعها فقد ألزمونا صمتًا دون نقاش وحذرونا بخوف ورهبة (يامعشر الناس اسكتوا هداكم الله ، لاتفتوا بما ليس لكم به علم، فالمرأة خلقت من ضلع أعوج، فهي فاقدة لرشدها ، ناقص عقل ودين ، تغلبها عاطفتها ، عمياء البصيرة ) ، وكم وكم نهرونا من وقفوا على رؤوسنا في قاعات الدرس من المتنطحين والمتلبسين بلباس الدين (صورتها، صوتها، اسمها خروجها سفرها بقاؤها رأيها أنفاسها ....حرام في حرام ..) نعم يا أيتها الأرقام المبهمة يانون النسوة المشتبه في وجودكم ، وقرن في بيوتكن ولاترين أشعة الشمس فأنتن لاتستحقن حتى فيتامين ' د' لأنه سيخرجكن من الدين والملة ! حتى الهواء الخارجي عليكن مضرة فقد تفسدن من حيث لاتحتسبن ! لست أدري يامجدنا العربي الفاخر بأبوة الشعر، والباهر بقواميس العفة والطهر والشرف وتقاليد الحسب والنسب، أي مخلوقات هن في هذا الكون الواسع ؟ جزافًا نردد الحديث :(الجنة تحت أقدام الأمهات ) أية جنة التي تنتظرنا و نحن نهين المرأة المتمثل في الأم !؟ ولو فتحت أبواب الجنة سوف نطرد الأمهات لأننا في الحياة الدنيا ندعي وصلا بها زعما وزورا وبهتانا وإفكا، هناك أصوات لاتسمع لأرواح حية مرمية في دار المسنين تندب حظها با أسف وأنين ، والجالسات كثيرات في جوف البيوت المغلقة ينهشهن الصمت وتقضمهن الوحدة ؟! أتلعثم في تلاوة بيت من الشعر لحافظ ابراهيم ،.(الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق) والذي استبدلها (دريد لحام) ب(السجن مدرسة اذا أعددته أعددت شعبا طيب الأعناق)! أما غازي القصيبي فحورها الى (الأم مدرسة اذا أعددتها هاجمك المتطرفون) تهكم ومفارقة ساخرة يكشف حجم زيفنا ! نحن مصابون بانفصام في الشخصية ،لأننا متأزمين نفسيا ،نمعن في تقديرها تمظهرا ونحتقرها بأشكال عدة ،نحن السجان والمساجين والمساكين نحن الجاني والمجني عليه ندعي الاعتدال ونمارس عليهن التطرف !!؟ لأن تفكيرنا كم هو، ندعي بأن أمهاتنا ولدتنا أحرار ،ونمارس عليهن القيود والأغلال ، بكل بساطة لم نزل نحمل جينات الجاهلية الأولى !
أيتها الأمهات في عيدكن أنا خجل من حديثي هذا !!!؟



