أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

البر بالوالدين

سعيد الزاهر · القطيف اليومالسبت 7 أبريل 2018، 9:21 ص
البر بالوالدين

اللهم إجعلني ممن بَرَّ بوالديهِ أحياءً و أمواتاً رحمهما الله تعالى ورزقهما الجنة مع محمد و أهل بيته الطيبين الطاهرين عليهم الصلاة والسلام جزاء لهما على ما تجشما من تعب ونكدٍ في جميع أطوار حياتي مُذْ كنت جنينا إلى أن بلغتَ أَشُدِّي.

ما يندى له الجبين و تتقطع له الأفئدة ما نلحظه من بعض الأولاد من عقوق لوالديهم متناسين أنهما سبب وجودهم ولولاهما ما وجدوا. كم تألمت الأم وهي تحملهم بين أحشائها تغذيهم من جسدها و تغدق عليهم من روحها وما المخاض إلا مرحلة صعبة جداً قد تتكبد الألم و قد تخسر روحها عند ذلك وما أن تلد حتى ترى الفرح والسعادة على محياها تحتضنه وتضمه إلى صدرها وهي مبتسمة وتعلق عليه الآمال منذ ولادته. بعد ولادته ترضعه وتعتني به من نظافة وغيرها وهي تعبة تسهر الليالي على راحته وهو نائم. تراه يكبر يوماً بعد يوم فتزداد سروراً و تزداد عطاءً له دون كلل ولا ملل. يكبرُ وهي تتأمل منه خيراً وتتمنى له أن يكون بخير و تدعوا الله له بالتوفيق في جميع مراحل حياته الدراسية والإجتماعية. تدعوا الله له النجاح و الزواج لكي ترى أولاده لتشاركه في العناية بهم وكما يقال في المثل الدارج " ما أعز من الوِلْدْ إلَّا وِلدْ الوِلدْ". هذا بعضٌ مما تتكبده الأم من تعب و يصعب حصر كل ذلك في هذه العجالة.

أما الوالد فكم تراه يكدح ويتعب لكي يوفر للأولاد سبل الحياة الكريمة ولو على حساب جسده وروحه. قد يحرم نفسه لذة الحياة لكي يقدمها على طبق من ذهب لهم. يحرم نفسه ليعطيهم. يتجشم عناء الحياة ليوفر لهم ما يسعدهم ويجعلهم في أعلى المراتب بين أقرانهم. ويستمر في ذلك العطاء اللامتناهي حتى وإن بلغ من العمر عتيا لا يكل ولا يمل من ذلك بل يسعى جاهداً لتحقيق الحياة الكريمة لهم.

بعد هذه المقدمة المختصرة جداً سوف أحاول التدليل ما أمكن على حقوق الوالدين من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لعلها تشفي غليلي لإيصال الرسالة الإنسانية الأخلاقية الفطرية لذوي الألباب لعل من تعمد التقصير في حقوق والديه وعقهما يستدرك ذلك قبل فوات الأوان وقبل أن تدور عليه الدوائر فكما يقال في الأثر " كما تَدِين تُدانْ".

في القرآن الكريم وردت آيات عدة تبين حقوق الوالدين وعلى ما أظن جُلَّها واضح جَلِّي لا يحتاج لجهد لفهمها.

قال الله تعالى:-
۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (سورة الإسراء ٢٣)
وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (سورة الإسراء ٢٤)
في الآيتين المذكورتين قرن الله سبحانه وتعالى عبادته بالإحسان للوالدين إذ الإحسان لهما عنوان عريض تدخل تحت ذلك العنوان أفعال كثيرة كإحترامهما و إجلالهما وطاعتهما بالإمتثال لأوامرهما والتواضع لهما وعدم رفع الصوت عليهما و برهما والقيام على خدمتهما. و قد نهى عن نهرهما و عدم التأفف بوجههما و عدم إبداء الإستياء من خدمتهما ولو بكلمة أو إيماءة أو تعبير قد يزعجهما. كما أمر بالتذلل لهما والتواضع لهما والدعاء لهما بالرحمة جزاء رعايتهما لنا ونحن صغار وتربيتهم لنا.

هنا سأكتفي بنقل ما جاء في رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام لما فيه من كفاية للتدليل على حقوق الأم من جهة و الوالد من جهة أخرى لدعم ما أسلفت من ذكر لآيات الذكر الحكيم.

قال الإمام علي بن الحسين (ع) في حق الأم

"فحقّ أُمِّك أن تعلم أنَّها حملتك حيث لا يحمل أحدٌ أحداً، وأطعمتك من ثمرة قلبها ما لا يُطْعِم أحدٌ أحداً، وأنَّها وقتك بسمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها وجميع جوارحها مستبشرة بذلك فرحةً موبلة (كثيرة عطاياها )، محتملة لما فيه مكروهها وألمها وثقلها وغمِّها، حتى دفعتها عنك يد القدرة وأخرجتك إلى الأرض فَرَضِيَتْ أن تشبع وتجوع هي، وتكسوك وتعرى، وترويك وتظمأ، وتظللك وتضحى، وتنعمك ببؤسها، وتلذذك بالنوم بأَرِقهَا، وكان بطنها لك وعاء، وَحِجْرَها لك حواء، وثديها لك سقاءاً، ونفسها لك وقاءاً، تباشر حر الدنيا وبردها لك دونك، فتشكرها على قدرِ ذلك ولا تقدر عليه إلاّ بعون الله وتوفيقه".
هنا بين لنا الإمام عليه السلام حق الأم من خلال التفصيل والبيان الذي تقدم به حيث جعله أكبر الحقوق في رسالته ، وأكثر في بيانه، وحثَّ على برّها ووصّى الولد بالشكر لهما كما هي الوصية الإلهية: "ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن... أن أشكر لي ولوالديك إليَ المصير".

وفي حق الوالد يقول الإمام زين العابدين (ع) :
"وأمَّا حق أبيك فتعلم أنَّه أصلك وإنَّك فرعه، وإنَّك لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك مِمَّا يعجبك فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه، واحمد الله واشكره على قدر ذلك ولا قوة إلا بالله".

هنا نجد بأن على الإنسان أن يعلم كيف يتعامل مع والده لكي يتجنب عقوقه حيث من الواجب عليه تعظيمه واحترامه واستشعار الخضوع والاستكانة في حضرته

فقد جاء في حديث عن الإمام الباقر(ع) :
"إن أبي نظر إلى رجل ومعه ابنه يمشي، والابن متكيء على ذراع الأب، قال: فما كلَّمه أبي حتى فارق الدنيا".

نستخلص مما سبق ذكره بإسهاب ما يلي:-
الأُم تتحمل تبعات حمل الجنين في بطنها من آلام و مَا قد يصاحب الحمل من أمراض كمرض السكري والضغط و أحياناً آلام في الظهر مما يعيقها عن الحركة مدة حملها. أضف إلى ذلك مَا قد يصاحب ذلك من سهر طوال الليل نتيجة حركة الجنين أو نقص في إحدى المواد الأساسية لجسمها كمثال نقص الحديد الذي قد يتسبب في إنخفاض الهيموجلوبين أحد مكونات الدم الرئيسية مما يؤدي لفقر دم كل مَا ذكرت على سبيل المثال وليس حصراً. ناهيك عن آلام المخاض والولادة الذي يصعب وصفها وقد تكون من أصعب مراحل حياة الأُم إن لم تكن أصعبها قاطبة. بعد تيسر الولادة تأتي مراحل عدة منها مرحلة الرضاعة والعناية بالمولود من نظافة واهتمام صحي به ومتابعته كونه حديث الولادة. لذلك قد تتجشم الأُم عناء إصابة المولود بأي مرض مصاحب للولادة أهونها إصابته بالصفار و أشدها إصابته بأي تشوه خلقي قد يقض مضجعها. هذا جزء يسير مما قد تعانيه الأُم وهي سعيدة مرتاحة لذلك لن تراها تشتكي أبداً لأن الله سبحانه وتعالى حباها بحنان وعطف اتجاه الأبناء منقطع النظير. ينام طفلها وهي يقضة تستعد لتلبية مَا يجعله يخلد للنومِ مرتاحاً قرير العين. هذه الإنسانة العظيمة وليسمامحني ربي الركوع والسجود لها لن يفي بحقوقها علينا لهذا جعل الله سبحانه وتعالى الجنة بما حوت مما لا يتصوره عقل تحت قدميها. هذه الأُم تستحق التقديس والإجلال وحقًّا في اعتقادي لن يقبل الله عمل أحدنا إن لم يقترن برضاها وإباحتها ذممنا.

بعد مرحلة الطفولة يأتي دور التربية إذ تكون حريصة على زرع الفضائل بما أوتيت من حنان الأمومة فهي تحرص على توجيههم للبعد عمن قد يؤثر على سلوكياتهم و أخلاقهم ولو كانوا ذو قربى. تتابع ذلك طوال هذه المرحلة من حياتهم وكأنها قمر اصطناعي. تحاول تقويمهم مما قد يشوبهم من أذران بعض شرائح المجتمع. إضافة لذلك تحرص على تغذيتهم التغذية السليمة و تحط عنهم الجوع والعطش و تلبسهم أجمل الثياب و تجعلهم أنظف أقرانهم، تحرص على صحتهم و إن على حساب صحتها بل يصل بها الحال أن تمرضهم وهي للتمريض أحوج بدون أن تشعرهم بذلك.

بعد تلك المرحلة تدخل في مرحلة التعليم و نرى مدى حرصها على زرع روح الإنسانية في الأولاد وكم تتعب لكي تعمل على تدريسهم ومتابعة ذلك يومياً. و قد تلجأ لإصطحابهم للمدارس بنفسها وتعود لكي تنتظرهم مَا أن يخرجوا إلا وهي في استقبالهم فرحة مسرورة بذلك بالرغم مما قد يكون من حرارة القيض أو برودة الصقيع أو تساقط الأمطار الغزيرة وقد قامت بالخدمة اليومية من غسيل وطبخ وترتيب المنزل وتحضير باقي احتياجاتهم.هنالك ثلاث مراحل دراسية تدريجياً المرحلة الإبتدائية والتي تكون مرحلة تأسيسية تحتاج لجهود جبارة تستنفذ طاقة أمومية كبيرة جداً تدعوا الأُم الله سبحانه وتعالى ليل نهار أن تتكلل بالنجاح. تتلوها المرحلة المتوسطة والتي يلازم ذلك خطورة المرحلة العمرية للأولاد والتي تسمى مرحلة المراهقة وتكون متشعبة تتسق مع مرحلة النمو الفيسيولوجي والذي يصاحبها تغيرات في هرمونات الجسم والتي تؤدي لإضطراب في السلوكيات والأخلاق مما يثقل عاتق الأُم لكي تقوم مَا قد يتأثر سلباً من ذلك وإيجاد السبل التي تتلائم مع تلك المرحلة مما يجعل الأُم عالمة نفس و إجتماع متألقة تحاول المرة تلو الأخرى في إيصال الأولاد لبر الأمان السلوكي الأخلاقي المتلازم مع الدراسي.

بعد تلك المرحلتين تأتي مرحلة مَا قبل الجامعة وما قد يترتب عليها من جهد ينصب في الحث والتوجيه للتحصيل العلمي الذي يواكب شروط الإلتحاق بالجامعة والإختصاص المراد تحقيقه. هذه مرحلة النضوج العقلي والبدني تحتاج لتوجيه دقيق جداً للوصول للمراد. قد تواجه الأُم تقصيراً من البعض مما يضع على عاتقها عبئاً إضافياً. تبقى على هذا الحال في جميع المراحل الدراسية بما فيها الدراسة الجامعية والتي تكون ذات أهمية كبرى تتابع الأولاد خطوة بخطوة تتتظر الأخبار السارة منهم وتدعوا لهم ليل نهار بالتوفيق والتفوق والنجاح. و ما مرحلة بعد التخرج أقل أهمية من جميع المراحل السابقة إذ تضع الأم يدها على قلبها ترجوا الله أن يرى أولادها نتيجة جهدها و إياهم فتدعوا الله بأن يرزقهم بوظيفة تتناسب و تتوافق مع جهدهم وتحصيلهم العلمي الذي أخذ من أوقاتهم و أعمارهم جُلَّه. بعد الحصول على المراد لم تنتهي العناية بعد بل تستمر إلى مرحلة الإستقرار الوظيفي والأسري و تبقى الأم تتابع بقلق و تحسب تلك المرحلة. ويبقى دور الأم إلى ما لا نهاية فالأبناء يستقروا مع أسرهم والبنات يستقرن مع أسرهن وتبقى الأم تراقب ذلك على وجل.

ألا تستحق هذه الأم أن تكون الجنة تحت قدميها؟ ألا تستحق هذه الأم الإحسان إليها أثناء حياتها لتكون أسعد إنسانة في الوجود؟ ألا تستحق هذه الأم أن تكون قبلة الأولاد؟ ألا تستحق هذه الأم أن تحضى بالعناية التي تريحها بعد كل هذا الشقاء؟ ألا تستحق هذه الأم أن تكون نبراس نهتدي به؟ ألا تستحق هذه الأم أن نبذل لها الغالي والنفيس لكي تنعم بصحة ممتازة تتقوى بها على ما قد يَلُّمُ بها من تعب؟