أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الذاكرة المثقوبة

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالجمعة 13 أبريل 2018، 12:13 م
الذاكرة المثقوبة

مطالعة تاريخية سريعة لما كانت عليه الروابط و العلاقات بين القبائل في العصر الجاهلي ، و التي خاضت حروبا طاحنة لا تبقي و لاتذر ، تنبيء عن صفحة سوداء في جبين البشرية تشمئز النفس من استطلاع تفاصيلها ، فقد كانت لغة القلم عنوان الحضارات الأخرى العريقة و تراثها التليد مفخرة أبنائها ، بينما لغة الدم و الاحتراب و النهب و العدوان و الغدر هي المنطق الذي يحكم علاقات القبائل و ، فافتقدت الأمان و الاستقرار الذي يعد من أهم أسس المجتمع و حق بسيط لأفراده ، و لا يسع كل من يقرأ عن أسباب شن الغارات بينهم - و التي تكون سببا لحروب قد تطول - إلا الضحك و التعجب من تفاهة تلك العقول السائرة خلف العصبيات و القرارات الانفعالية المتهورة ، أو تلك النفوس الخبيثة التي تقتات على مصدرها المائي أو المالي من الإغارات .

و نحمد الله تعالى على طي تلك الصفحة بتأليف القلوب تحت راية القيم الإسلامية و تجريم الظلم و العدوان و تأصيل القانون الجزائي المعاقب لأي هتك أو تعد على الآخرين بغير وجه حق ، فأي تجاوز مادي أو معنوي على الغير يقابل بالجزاء الرادع عن التمادي .

و كان من المتوقع ان يخرج الإنسان الواعي من تلك التجارب المريرة و المآسي الأليمة بخلاصة تجربة و عهد وثيق بتجنب كل ما من شأنه أن يوتر العلاقات و يعصف بها ؛ لتتأجج و تنتقل إلى مراحل خطيرة من المشاحنات و القطيعة و الاحتراب ، و لكن الذاكرة المثقوبة لم ينتج عنها إلا إصرار في الاستمرار بطريق التناحر و العدوان على الآخر بكافة أشكاله ، فلم تكن له رادعا و لا زاجرا المآسي القديمة التي يتألم لها و لكنه لا يمانع أن يكون وقودا لخلافات طاحنة نتائجها معروفة ، فالانتصار الوهمي خيال و لكنها الخسائر التي تشغل الجميع عن مسيرة التنمية و الازدهار .

و حتى على النطاق الضيق في العلاقات الأسرية لا تجد عند البعض أذنا واعية تحكي لها الأخطار الناجمة عن الفعل العنيف و الرد الأعنف منه ، فمسلسل الضربات المتبادلة لا ينتهي ، و ينزل بعقولهم إلى مستوى ضحل من التفكير و هو مبدأ الغاب العنيف ، و كأن هذا الإنسان نسي و غفل عن النعمة و التكريم الإلهي له و هو العقل الرشيد ، و الذي يوفر له أحسن الحلول و الطرق التي توصله لأهدافه بعيدا عن استنزاف قدراته و طاقاته ، و يجنبه الطرق المسدودة و الأفكار العقيمة و الخطوات غير المجدية أبدا !!!

ثقافة الدروس المستخلصة و القراءة الواعية للماضي يفترض بها أن تجنبنا مسببات المآسي و الأخطاء ، و تعرفنا بالعوامل المؤدية للخلافات كالتزمت و العصبيات و العنصرية و إقصاء الغير و الأنانية و الحوارات النارية و التفكير العاطفي البحت ، و يدعونا إلى فتح صفحة جديدة فحواها الحكمة و التسامح و البعد عن أسباب الخلاف ، من خلال الحوار الهاديء و تبادل وجهات النظر و الوصول إلى مخارج تفض المشاكل بأقل الخسائر للطرفين .