مبعث القيم

ورد عن أمير المؤمنين (ع) : ( بَعَثَهُ وَ النَّاسُ ضُلاَّلٌ فِي حَيْرَة ، وَ حَاطِبُونَ فِي فِتْنَة ، قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الأَهْوَاء ُ، وَ اسْتَزَلَّتْهُمُ الْکِبْريَاءُ ، و َاسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِليَّةُ الْجَهْلاَءُ )( الخطبة ٩٥ - نهج البلاغة ).
إحياء ذكرى المبعث الشريف هو إطلالة على مهاوي النفس و سقوطها في وحل الأهواء و الجهل ، فغدت تلك النفوس حيرى في دياجير ظلمات تسقطها في مطب انحراف و ضلال تلو الآخر في منحنى انحداري لا يعلم نهايته السقوطية ، فدراسة عوامل الانحراف الذي كانوا عليه ترفدنا بومضة معرفية و سلوكية ، فعلى المستوى العقائدي عبدوا ما يأنف منه و لا يقبله عقل الصغير من أوثان لا تملك لنفسها نفعا و لا ضرا ، و خاضوا لجج المنكرات و القبائح دون وازع أو رادع يكشف لهم مدى الانحطاط الذي وصلوا إليه.
هذا الموعد المتجدد مع ذكرى التغيير و إرساء معالم التوحيد و الفضيلة نستذكر فيها واقع الناس في جميع الأبعاد العقائدية و الاجتماعية و الأخلاقية للناس ما قبل البعثة ، و التي وصلت درجة من السوء و الانحطاط حتى وسمت بالجاهلية كعنوان جامع لحالات الضلال و الانحراف الذي مارسوه ، فنعكس ذاك الواقع و إسقاطاته و عوامله على واقعنا الحاضر ، فنرى أننا امتداد للجاهلية الأولى أم أننا مسحنا صفحة سوداء من تاريخنا ، و ما زلنا نستمد قيمنا و سلوكياتنا من الإشراقة المحمدية ؟
الواقع المؤسف الذي نعيشه ينبيء بتغلغل روح الجاهلية و انبعاثها من جديد في عالمنا ، ففي الجانب العقائدي نجد أن التقدم و الازدهار العلمي و انكشاف الكثير من أسرار الكون ، لم يكن بالذي يأخذ الناس نحو قوة إيمانية و معرفة بالخالق العظيم ، فظاهرة الإلحاد و إنكار الخالق آخذة في الانتشار بين الشباب ، فسكرت عقولهم عن محجة بيضاء كوضوح الشمس و لم تبحث عن خالقها فيما تلقته من علوم و معارف ، يمكنها أن تحظى بالمعرفة التوحيدية من خلال ما تلقفها العقول في كل أبعاد الآفاق و النفس ، أفلا يعقلون هذه البراهين المتكاثرة ؟
و في الجانب الأخلاقي نجد التهافت على مظاهر الانحلال و المنكرات دون أن يكون للدين و قيمه أي تأثير على بعض النفوس حتى ترتدع ، و في الجانب الاجتماعي تجد تعاليا في صوت العنصرية و العصبيات و التفرقة بعناوين مختلفة ، فما عادت لحمة الإخوة الإسلامية جامعا عند البعض فيحفظ بها حقوق إخوانه.
و الجانب الآخر في هذه الذكرى العطرة نعرض أنفسنا في محاسبتها على أساس معيار القيم المحمدية ، فنجعلها منظومة تربوية للنفس متلمسين خلقه الرفيع و علاقته بربه و تعاليمه الحكمية للاقتداء به ، و الذي استطاع في فترة قصيرة تغيير معالم الجاهلية السوداء كعبادة الأوثان وقسوة القلوب و العصبيات و سيادة منطق الغاب ، فنشر الرسول الأكرم (ص) راية التوحيد و الدعوة إلى التحلي بالفضائل كالعفة و الحياء و التعامل الحسن و الكلمة الطيبة ، و النهي و نبذ القبائح و المعايب كالعدوان المادي و المعنوي على الآخرين و الظلم و ارتكاب الفواحش و الرذائل.
استطاع النبي الأكرم (ص) أن يصنع مجتمع الفضيلة و الفكر المزدهر ، فهلا جعلنا تعاليمه و توجيهاته دستورا نطبقها على أرض الواقع لنحظى بالسعادة في الدارين.



