زمان جاسم: مبادرات تزيين الواجهات لا تُصلِح.. مجرد جرعات مسكنة تنتهي بألم

وصف الفنان التشكيلي زمان جاسم، الفنانين التشكيليين بأصحاب العصى السحرية، التي يمكن من خلالها لبعض الجهات معالجة التشويه البصري، مشيرًا إلى أن تلك العبارة سادت في الآونة الأخيرة منطقتنا، وذلك على خلفية مبادرات تجميل الواجهات البحرية بالقطيف.
وقال "جاسم": "في كل مبادرة تقوم بها جهة رسمية، أو حتى جهات أخرى معنية بالتجميل، تقع العين على الفنانين التشكيليين؛ للبحث عن حلول بديلة لما لحق بمرافق عامة من تخريب أو من عمر افتراضي انتهى ولا بد من تحديثه".
وأضاف: "سأتحدث هنا كممارس للفن ومتذوق، والأهم كصاحب تجربة متواضعة محلية ودولية في هذا المجال، لأبدي وجهة نظري التي قد يقبلها البعض أو يختلف معي آخرون، وأعترف بأن مفاهيم كثيرة تغيرت لديَّ عن ما قبل سنوات عن الآن".
وتابع: "أولًا؛ أؤمن تمامًا بحسن النية لأي مبادرة تجميلية، وأن أصحابها لديهم أهداف نبيلة وعظيمة في خدمة المجتمع القطيفي، وكذلك الفنانون المشاركون، ولكن السؤال الأهم؛ هل هذه المبادرات ذات جدوى حقيقية في تحقيق نتائجها، وهل تنطبق عليها الشروط والأهداف، خاصة أننا في مرحلة يفترض أن نسميها انتقالية، أو بمعنى آخر الكفاءات أصبحت أكثر نضجًا ووعيًا عن ما قبل، في التعامل مع معطيات الهندسة والتجميل، خاصة أن الكثير من أصحاب المبادرات ذوو كفاءات، وربما أيضًا أصحاب تخصصات تتناسب مع هذه المشاريع".
وأشار التشكيلي زمان إلى أنه في عالم الهندسة المعمارية والإنشائية يعتبر كل ما يستخدم من خامة طبيعية أو مصنعة جزءًا من الحالة أو الفضاء الذي يعيشه المكان، موضحًا: "فلنأخذ مثلًا الأحجار، هي بحد ذاتها ذات قوام حي، لا يمكن العبث بها دون وضع حسابات الخامة التي ستكسيها، كالطلاء مثلًا أو غيره، تتناسب جماليًا أو لا، وذات عمر يوازي بقدر الإمكان هذا الحجر، وفي النهاية تبقى الأحجار ذات جمالية مستقلة، قد تشكل كنحت وحفر، ولكن ليس من السهل طلاؤها لتعطي جمالية".
وقال: "ما أعنيه هنا أن الأحجار لوحدها ذات مصدر جمالي، عوضًا عن أنها مريحة بصريًا وتتعايش مع فضاء الأماكن، سواء كان على الساحل أو داخل المدن، لذا لا نجد مثلًا صاحب مبنى أو منزل يكسيه بالحجر ثم يقوم بطلائه، فهذا حتمًا أمر ليس طبيعيًا".
وأضاف: "بالعودة لما سبق فإن تلوين وطلاء المقاعد أو أي خامة حجرية، يحتاج إلى وعي بأمور كثيرة، أهمها الخامة التي ستكسيها، من خلال معرفة وتجربة سنوات، وهذا أمر لا يحتاج إلى دراسة، خاصة أن أجواءنا الصيفية لا تسمح لخامة اللون أن تعمر زمنًا طويلًا، فهل نحتاج في كل موسم إلى إعادة بناء أو ترميم، بينما أصل الخامة ذو ديمومة وجمال".
وأوصى "جاسم" بضرورة دراسة تلك المبادرات قبل إطلاقها، حيث قال: "أعلم أن هناك بعض التعقيدات الفنية، ولكن لا ندع العاطفة والحماس وحدهما يغلبان علينا، ولا ينبغي أن نلجأ فقط للحلول المؤقتة، فإذا أردنا حلولًا فعلية؛ لا بد أن تدرس هذه الإشكاليات بشكل احترافي، وأعلم ما إن نقول احترافي، حتى يأتي الحديث عن ميزانية ليست بالبسيطة".
وأكد أن كل هذه المشاريع لا تُصلِح، وإن كانت جميلة؛ معتبرًا أنها جرعات مسكنة لا أكثر، ما إن ينتهي مفعولها حتى يزيد الألم مرة أخرى.
واستدرك بقوله: "عندما تكلمت عن العمل الاحترافي؛ إذا كان لا بد فعلًا من تكسية وتجميل المرافق، فهذا ليس دور الفنان أو الفنانة وحدهما، إنما يحول لمؤسسات متخصصة، تقوم بتنفيذ تصاميم الفنانين، ويبقى دور الفنان فقط التصميم والإشراف، وعلى الفنان أيضًا أن يعي أن دوره الحقيقي والأساسي ليس الاستعراض بمهاراته الفنية، خارج مُحترفه، بينما يستطيع تقديم بعض مشاريعه الخارجية عن طريق جهات متخصصة، دون أن يفقد حقه في التصميم، أو كصاحب للعمل".
وبيَّن الخامات البديلة الدائمة والتي يمكن الاستعانة بها في تلك الأعمال، مؤكدًا أنها كثيرة ويعرفها أصحاب المؤسسات المتخصصة؛ مثل السيراميك (الفسيفساء) أو الكلادينق (صفائح معدنية تستخدم للمباني والواجهات) ولكن يمكن تشكيلها وتطعيمها، وأيضًا حتى الألوان التي تتحمل الأجواء الحارة جدًا، مضيفًا: "ولا نغفل أمرًا مهمًا وهو طلاء الحماية، أو ما يسمى "اللكر"، الذي يحفظ الأسطح، ويجعلها قابلة للتنظيف بسهولة، وهذا الاقتراح ليس فقط من أجل ديمومة واستمرار العمل، إنما يعطي فرصة لتقديم تصاميم ذات معنى وجمال، قبل أن تنفذ، حتى لا يتم انتقاد بعض التجارب المنفذة والتي قد تكون عشوائية أو أقرب لمشاريع مدرسية، لا تتناسب مع الذوق العام، من مرتادي هذا الساحل الجميل والذي يخدم جميع الفئات العمرية".
وأضاف: "أيضًا أمر آخر مهم، وهو استخدام بعض العبارات التوعوية، مثل المحافظة على نظافة الكورنيش والمرافق، أرى أنه من الأجمل أن تصنع من قبل وكالات الدعاية والإعلان، فهذا سيعطي جمالًا وديمومة، وكما يقال (أعطِ الخبز خبازه؛ وإن احترق)".
وختم بقوله: "محبة وشكر لكل من بادر وسعى، سواء من إدارة بلدية القطيف، أو المجلس البلدي، وكل المتطوعين الأفاضل، منظمين وأفرادًا وفنانين، أعلم والله أنكم تعملون بدافع الحب، وما أجمل هذا الدافع عندما يكون هدفه ساميًا لخدمة وارتقاء مدينتنا القطيف".



