مسافر زاده الخيال 3-4

تفنن كاتبنا برسم جغرافية الأمكنة ومن عليها بدقة جاذبة، واصفًا ومحللًا ومستنتجًا كل ما تقع عليه عيناه، من مرئيات حية أو جامدة، فيرى المشهد إن كان ساكنًا بث فيه روح الحياة، وإن كان متحركًا زاد من إيقاعه حراكًا آخر، يقرؤه بعين الرسام وبحس الشاعر وبخيال الأديب، مازجًا ومستحضرًا أبعاده التاريخية والحقب الزمنية، ويطعم مشاهدته الوصفية بحكمة أو مثل أو قول مأثور أو قصيدة شعرية يستجلبها من تراثهم الأدبي أو الشعبي المليء بالتعابير الإنسانية.
يتحاور مع المعالم الحضارية بحميمية المحب كما لو أنها كائن حي يحس ويسمع، يقف شاخصًا في حضرتها، متمعنًا في أبعادها، تضاريسها، محيطها، يذرعها كتلة من جسد، يحتضنها هالة من نور، تأملات سابحة بهمهمة نفس وتعابير وجه، تنفرج أسارير بآهات إعجاب، وتمتزج أحاسيس بدندنة طرب، تتفتح مشاعر بأطياف تحوم وتحوم كغيمة مطر، مزن عشق وغرام، يهطل إمتاعًا ومؤانسة، تطهر أثيري في اللاوعي بنشوة صوفية تتجلى في خلوة ذكر، يرتحل أزمانًا في أزمنة، يستحضر المعالم في أوج عزها، ومن عاش زمنها تتداعى كشريط مصور عبر صفحات كتابه المنوع.
إن الأمكنة الأسطورية تفرض حضورًا في الوجدان دون استئذان، كاتبنا أنسن المعالم الحجرية باستغراقاته المتأملة الناظر لها "عاشقًا"، وهي المنظورة (المعشوقة) أفصحت له عن مكنونها المخبأ، فأرجع البصر لأمثالها مرات ومرات متحققًا من الزوايا والجهات، تلمس الطبقات والتعرجات والنتوءات والتشققات، مرر يديه عليها تربيتًا بدفء، حب ولذة من حنين، ويناجيها برسل المتكلمين لأمجادها الغابرة، يخاطب شخصياتها لمن وقف عمرًا ولمن جاء حضورًا، ولمن رحل أثرًا، ويصرخ المؤلف لا شعوريًا من أعماق ذاته، هنا، هنا التاريخ يرى، يحس، أشمه عبقًا بأرواح البشر، أسمع الحضارة تتكلم!
وكم يتألم إذا رأى أطلالًا لمعالم دمرت بفعل حرب ماحقة، يعيد تركيبها في مخيلته صورة ماثلة كأنها لم تمس، يوصفها نحتًا مجسدًا من خيال وخيالًا من وصف، يتنقل بين الأثر تلو الأثر، حتى القابعة بين وحشة التلال المقفرة والسهوب المقطوعة إلا من ريح، أماكن منزوية نائية لا يرتادها لا سائح ولا يقربها حتى أهل الديار! العاشق وحده هو من تقوده قدماه نحو الأثر، والعشاق قليلون، كاتبنا واحد منهم، فهو متيم ومدين لأرض أحبها حد النخاع، وخصها بأول كتبه بالرغم من رحلاته المتعددة لبلاد كثيرة، تملك مقومات الجذب السياحي على أعلى المستويات، لكنها لم تترك أثرًا فاعلًا في نفسه! برغم غناها الفني والحضاري الذي تتمتع به، إذن ما الذي جذبه لهذه البلاد تحديدًا دون غيرها؟ لم يكن الجمال المادي لوحده بل الجمال الروحي النابع من قلوب الناس الودودين بحسن ترحاب وطيب استقبال وبكل معاني الأخوة دون خوف من أحد أو وجل أو سوء نية، سلوك على السليقة، طبع متأصل دون تصنع أو تملق، أصحيح الأمم الأخلاق؟
إجابة تكمن تحت ماء وسماء وأديم أرض أبلغت الكاتب بالكثير من المعاني السامية، والمعاملات النبيلة، والفوائد المعرفية، والخبرات الفنية، ناقلًا إلينا صيده المرئي من رؤيته لشعب على منزلة كبيرة من الخلق الكريم والفن الرفيع، فأبصرنا متعًا جمالية حسية لفنونهم النفعية والتزيينية والتطبيقية والتصويرية بشيء من الفرادة البحثية، تألق منثور بسخاء لفنونهم على صفحات كتابه، أطربنا سمعًا على وقع أنغام موسيقاهم الشعبية وإيقاعات الرقص التراثي، بصحبة مؤنسة لحدائقهم المعطرة من التراث اللامادي (التراث الشفهي) الأعراف والعادات والتقاليد والفلكلور والطقوس والمعتقدات، ميراث خصب لثقافة شعب بثراء ممتد لما قبل الميلاد، أعطاها المؤلف حظوة وافرة من الكتاب، من عين الأمكنة وناسها، من أرض الواقع وعلى ألسنة مبدعيها، وهذا نابعٌ أساسًا من تاريخ الكاتب الفني ممارسة وتذوقًا وقراءة، فوضع هذه الفنون موضع التقدير اللائق عبر كتابه الجامع، ويحسب لذائقته هذا الانحياز التشكيلي والفني والحس الأثري والمعماري وللفنون قاطبة، والتي هي انعكاس لثقافة ورقي هذا الشعب، فأخبر عن رهافتهم العالية تجاه الفنون استمتاعًا وتعاملًا وإنجازًا.
ويحلق بنا بجمله الرشيقة وتشبيهاته البليغة وصوره الأدبية الشيقة وسرده الحكائي البديع والمتشعب بين أودية التاريخ ومساحات الجغرافيا والمتماهية مع حوارات السكان، مستنطقًا الآثار الصامدة مهوى المغرمين من أنحاء الدنيا، بوصف تصويري عالٍ، تحسب بأنك بجوارها من دقة الوصف، واستقرأ الأطلال المهجورة والنائية والتي من أجل أن يراها تعرض لبعض المخاطر، وحسب ما ذكر في كتابه "الإنسان يركب الصعاب من أجل بلوغ المراد".
وأبلغنا عن أعياد وأفراح وأعراس ومهرجانات مثل "مهرجان صدى القرون" و"مهرجان الحرير والتوابل"، شاركهم ذات مرة احتفالًا بالسير معهم ونقل إحساسه "حيًا على الهواء" لمحطتهم التليفزيونية، ومشى وراء أصحاب المهن والحرف، وأحيط علمًا بما جاء على ألسنتهم من تعاقب أجيالهم الفنية، ووقف بحزن وألم أمام الأنصاب التذكارية لضحايا الحرب الكونية التي مرت عليها 73 عامًا، طحنت من الأنفس ما طحنت، (نصب المرأة الحزينة الناظرة للنار المشتعلة للأبد)، تذكار لمن ضحوا بأنفسهم في سبيل بقاء الأوطان.
فتح المؤلف على استحياء بعضًا من أبواب التاريخ المغلقة ولكن بشكل موارب، دون التورط في أوحال الأيدولوجية، وأيضًا تجنب قصدًا الانزلاق في "التابوه" بشكله الصريح أو المباشر، ثمة إشارات طرقها ضمن سياق السرد، ولم تكن هي الغاية بحد ذاته بقدر ما هي تبيان المتغير والمتحول للأمكنة وصروف الدنيا المتصرفة بأهلها من حال لحال، أخبرنا عن مؤامرات حيكت بليل، وخدائع دبرت في وضح النهار، ومفارقات لوقائع جرت بين "عز وذل"، نعيم انقلب فجأة جحيمًا، جاه وسلطان ومحظيات وبذخ، ظن أصحابها أنهم أسياد الكون، في لمح البصر اختلط الدم بتشكيلات السيف ورائحة البارود، وضاع كل شيء، سلالات حكمت وممالك أطيحت، تحت جحافل شهوة التوسع وسادية الانتقام، من غرابتها كأنها من وحي الخيال.
وطن بكل أثقال المجد ومسيراته المشعة زخمًا وعنفوانًا، ثمة محطات مظلمة جدًا، عرج عليها الكاتب تبصرة وأخذ عبرة، أنبأنا بها من عيون التأريخ، وأخذنا عند صفوة القوم لهذه الأرض الذين أبرزوا تاريخهم بتموج كل الحالات وخلدوا التباينات والصور المشرقات عبر المتاحف المتناثرة بأنواعها في طول البلاد وعرضها، المؤلف أفرد لها الصفحات لتبيان أجوائها، وأوضح مدى كثافة إقبال الشعب على كل معالمه الحضارية، واعتزازه برموز شخصياته البطولية، حيث يضع العرسان أكاليل الورد عند أقدام الأنصاب ويتناسى مآسيه المعتمة القابعة في ذاكرة الوطن، ولا يأبه لحاله إن كان فقيرًا أم غنيًا، ينام ملء جفونه مبكرًا، نعم مبكرًا فهو لا يعرف للسهر معنى، لم يزل إرث "البروليتاريا" تسكنه، شعب كادح يصحو مع خيوط الفجر مبتسمًا مستبشرًا، ويلقى الآخرين بوجه طلق ويستقبل الحياة بفرح تلقائي متأصل في ذاته، المؤلف رسم بقلمه زخمًا مطردًا لأرض مشبعة بالفنون والآثار الشامخة بخيلاء، وبروائع أنفس راضية راخية في تواضع جم، ومثقلة بخير العطاء كما السنابل في عيون الشمس.



