أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

رمضان شهر التحدّي والإرادة

علي آل ثاني · القطيف اليومالأربعاء 16 مايو 2018، 8:11 ص
رمضان شهر التحدّي والإرادة

قبل أن ننغمس في نهر رمضان ونغترف من فيض الرحمن ونرتّل القرآن نقف ونصلي وندعو في ليالي شهر الرضوان.. عزيزي القارئ لي كلمة أبدأها بالتحية والسلام وقد أشرق وجه الصباح وأشرقت وجهوكم مبتسمة بأنفاس الصباح والتهنئة لكم بشهر الصيام أضع بين أيديكم هذه الكلمات.

قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
الكلمة الطيبة بلسم للقلوب، شفاء للصدور، تؤلّف القلوب وتصلح النفوس، وتزيل الأحزان.
تشعرنا بالرضا والسعادة لا سيما إذا رافقتها ابتسامة صادقة، فهي مفتاح ثمين لأقفال القلوب والأنفس تفتح أبواب الخير وتغلق أبواب الشر.

الكلمة الطيبة ماء الحياة وشجرة دائمة الخير والعطاء.. فما أحوجنا أن نقف مع أنفسنا وقفات محاسبة؛ لتستعد هذه النفوس لطاعة الله في شهر الكنوز، شهر الطاعة والمغفرة والرحمة، شهر رمضان المبارك.

حينما يقول الرسول (ص) في خطبته الشهيرة التي استقبل بها شهر رمضان - ربما كان ذلك في أول سنة كتب فيها الصيام على المسلمين: "وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقّروا كباركم وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم واحفظوا ألسنتكم، وغضّوا عما لا يحلّ النظر إليه أبصاركم، وعمّا لا يحلّ الاستماع إليه أسماعكم، وتحنّنوا على أيتام الناس حتى يُتحنّن على أيتماكم، وتوبوا إلى الله من ذنوبكم فارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلاتكم فإنّها أفضل الساعات ينظر الله (عز وجل) فيها بالرحمة إلى عباده، يجيبهم إذا ناجوه، ويلبيهم إذا نادوه، ويعطيهم إذا سألوه، ويستجيب لهم إذا دعوه).

فإنَّه بكل تأكيد لا يؤسّس هذه القيم أول مرة وإنَّما يدعو لمراجعتها وتعهّدها، فتوقير الكبار والرحمة بالصغار ومساعدة المحتاجين من الفقراء والمساكين والتحنّن على الأيتام كلّها قيم مجتمعية أصيلة أكّد عليها الدين منذ أيامه الأولى إلى جانب غيرها من القيم، وجُعِل شهر رمضان المبارك شهر مراجعة شاملة لهذه القيم وغيرها.

إن شهر رمضان مدرسة لغرس القيم والأخلاق الكريمة والسامية في نفوس المسلمين كافة وخصوصًا الشباب والأطفال.. ومن هذه القيم والأخلاق التسامح في ظل غياب التلاحم الأُسري والأخوي، فكم من أسر تفككت، وعلاقات تقطَّعت أواصرها، وتحولت المحبة إلى عداوة.. وهنا نتساءل؛ لماذا أصبحت قيمنا العليا من قبيل التسامح والإنصاف وحبّ الخير للآخرين والمساعدة والعطاء والسيادة على النفس ونصرة المظلوم وعلو الهمة والعدل والمساواة وغيرها ممّا ينبغي أن نتمسّك بها كمن يقبض على إيمانه في الزمن الرديء كالقابض على الجمر؟ لماذا أصبحت تلك القيم في مجتمعنا واهية، هشّة كقشر البيضة بحيث يتحتم علينا التعامل معها بحذر شديد مع أنها خيارنا لنكون رقمًا صعبًا في معادلة السلام والحب والألفة فيما بيننا؟

نحن بحاجة إلى فتح آفاق مفاهيمنا الدينية التي حبست في دوائرنا الشخصية، فلماذا لا نرتقي بهذه المفاهيم إلى مستويات أرقى وأوسع توازيًا مع سعة الإسلام وتطور الحياة؟
فمثلًا دعوته (ص) في هذه الخطبة إلى صلة الرحم لماذا لا ترقى إلى مستوى التواصل الإنساني فيما بين ذوي القربى؟

شهر رمضان هدفُه توطيد هذا التراحم والتلاحم، حين تتعاطف الناس لتعيش أحاسيس إنسانية وروحية مشتركة.

وهذا الشهر المبارك يعتبر فرصة ذهبية لتزكية النفس والتحلّي بالقيم والأخلاق الفاضلة التي بُعث الرسول (صلى الله عليه وسلم) ليتممها.. ومن القيم التي يغرسها الصيام في نفس المسلم قيمة المراقبة وتقوى الله (عز وجل) يقول تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
شهر رمضان بالفعل فرصة نفسية وروحية وصحية بقدر ما هي فرصة دينية لنا جميعًا، وصيام البدن أو الفم يتوجب معه صيام اللسان والعين والأذن وكل ما يغرقك في هموم الدنيا ومشكلاتها التي لا تنتهي..

خففوا من طعامكم وشرابكم على قدر الحاجة، فالله يضعنا في امتحان ويريدنا أن نشعر بالفقراء طوال العام.

ثمرة الصوم تظهر في قوة الإرادة، والقدرة على التحكّم في الشهوات، وتحسّس حاجات الفقراء وأحوالهم، وقد اختصرها القرآن بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فمن صام ولم يشهد هذه الآثار أو شيئًا منها في نفسه فليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، وما نشهده اليومَ من حال بعض الصائمين لا يعكس حقيقة الصيام، حيث تراه عكر المزاج، ضيّق الصدر، سيئ الخُلق، كسولًا، قليل النشاط، كثير النوم، معتقدًا أن هذا طبيعي لأنّه من إفرازات الصيام.

إن نفوسنا الضعيفة التي ترى الصومَ عملًا شاقًا يحتاج إلى استعدادات وترتيبات مسبقة، كالإسراف في شراء أنواع الأطعمة وتخزينها، ثم تعويض النفس عما أصابها من لسعة الجوع والعطش في النهار بتناول أشكال من الطعام تصل إلى حدّ التخمة في الليل، وبالترويح عن ضجرها باللهو، وإضاعة الوقت مع التسالي الهابطة.

ليس أفضل من شهر رمضان دورة لتقوية الإرادة وإعادة شحنها لمواصلة العروج في سلم الإنسانية وصناعة النفس وتزكيتها وفلترتها صُعدًا في عملية تراكمية حثيثة تستغرق العمر كله، فالمعدن الإنساني لا يظهر هكذا دفعة واحدة، وإنّما يحتاج إلى صبر وتجلّد وقوة إرادة ومثابرة، تتكفّل دورةُ الصيام بصناعتها لمن اجتازها بنجاح حتى يُكتب عند الله من الصائمين.

وأخيرًا لنجعل من أيام هذا الشهر الكريم فرصة لنعمّق قيم التواصل والتكافل، فالمهم هو الإنجاز الاجتماعي والعمل على خلق بيئة اجتماعية نحو الأفضل لبناء مجتمع متقدم ومتماسك، من خلال إقامة الندوات الثقافية الاجتماعية ونعزز بذلك إقامة مجالس رمضانية تضم نخبة من الشباب الذين يملكون رؤية واضحة وصريحة والتي تتجسد فيهم روح القيم الأخلاقية النبيلة التي تخاطب العقول قبل العواطف وتنشر الفكر بدل الكره والتجديد بدل التهويل كي نستقطب أكبر عدد من الشباب الذين بأمس الحاجة في الدخول إلى بوابتهم المشفّرة بشفرة الاستنفار من هذه المجالس والندوات بل من الحياة بوجه عام.
جعلنا الله وإيَّاكم من الصائمين والقائمين ووفقنا لصيامه وقيامه.. وكل عام وأنتم بألف خير.