أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

من وحي دعاء اليوم الخامس عشر من شهر رمضان: استدارة النفس المنجذبة

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالسبت 2 يونيو 2018، 7:09 م
من وحي دعاء اليوم الخامس عشر من شهر رمضان: استدارة النفس المنجذبة

"واشرح فيه صدري بإنابة المخبتين"

من نفحات الشهر الكريم أن يكون المرء صافي الفكر فيتأمل أحواله أمام مرآة نفسه بصدق، وقد استشعر عظيم جنايته في حق نفسه وقد قابل نعم ربه وجزيل عطائه له بالجحود، بل ويعصي خالقه بجوارح سواها سبحانه بأجمل خلقة، فأي صورة قبيحة يرسمها العاصي باقترافه السيئات واستمراره في طريق مقابلة الإحسان والإنعام بالكفران والطغيان، بل وأي مصير قاتم حينها ينتظره؟!

قد آن له أن يسجل حضورًا في ساحة الرجوع إلى الله تعالى معترفًا بذنبه وسوء فعله واختياره لظلمة الشهوات، فيقلع عما كان يقترفه مستحضرًا حاله - لو دام على ملازمة الآثام - وهو يعاين أهوال يوم القيامة وقد نصبت الموازين ونشرت الكتب.

رحلة الأوبة للطهارة والاستقامة ابتدأت مع الاستغفار الحقيقي بالندم على ما مضى والعزم على ترك الذنوب مستقبلًا، وما حركه نحو الإنابة طلب رضا المعبود لا غيره، فيتوجه إليه مخلصًا فيما يأتي به من عمل صالح، وهذه الإنابة لتثبيت معالمها والدوام عليها يحتاج إلى نباهة فكر من خدع الشيطان ومكره، والذي يلقي في روعه التسويف واحتقار الذنب والانشغال بالملذات، فاليقظة الروحية قوامها مواظبة ومجاهدة للأهواء وبذل الوسع بلا ملل لتغيير واقعه إيجابيًا وإيمانيًا، فتتوجه إرادته من ملاحقة الشهوات ومواطن الإغراء والتزيين إلى ما يوافق رضا الله تعالى، ولا يستمر على إنابته إلا إذا امتلك عزمًا قويًا لا ينهار في لحظات مواجهة المحرمات، ويعينه على تجنب الاستجابة للمثيرات.

ومن علامات صدق تغيره هو ذلك التألم والحزن الذي يملأ قلبه على ما مضى منه من أوقات عمرها بالمعصية غير آبه بالمصير الأخروي الذي يواجهه، ضيق نفس لا يرفعه إلا الطمأنينة والأنس بمناجاة ربه، فتهدأ نفسه وقد أشرقت فيها أنوار الأمل بالله.

وهذه الإنابة إلى حضرة القداسة مقرونة بالتذلل والخشوع لله تعالى، فهذا معنى إنابة المخبتين وهي المرحلة اللاحقة للإقلاع عن السيئات، فتنير مداركه العقلية باستحضار الرقابة الإلهية لكل ما يصدر منه، فيستشعر المخبت عظمة الله تعالى وينعكس هذا الشعور على سلوكه وتصرفاته، حافظًا جوارحه من التشتت في فيافي الأهواء النفسية، وآملا في تحصيل ذلك الشعور الذي يعتري المنيب المخبت عندما يسمع اسم الله تعالى أو يذكر في حضرته، وهو الوجل أي الخوف من غضب الله وحلول سخطه ونقمته عليه إن جافى جادة الصواب والورع، ويحرك نفسه حب الله تعالى فيقيم على الطاعة وما يرضيه من الأقوال والأفعال، فإن حب الله تعالى إذا ومض في قلب المؤمن كان قوة جذابة نحو الطاعة والنفرة من المعاصي، وتنشط قواه النفسية والإدراكية والحركية وفق هذه القوة وهي الانجذاب للجمال الإلهي.