أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

«صلابة فن.. وصهيل خيل» 1-6

عبد العظيم شلي · القطيف اليومالجمعة 8 يونيو 2018، 11:24 ص
«صلابة فن.. وصهيل خيل» 1-6

نقش أشكالًا في الصغر..
فطاوعته أنامله نقشًا على جدار الزمن..
فنا وحضورًا وألقًا.
قليلة هي الأنامل التي تطرق الإزميل نقشًا على الحجر، وتمسك بالريشة لونًا على الأسطح، وتجر حبرًا بالقصب خطوطًا عربية، عنوانها الفرادة، وفلسفتها "أكون أو لا أكون".

أنامل تنحت في الصخر كتلًا ناطقة، ومن اللون تكوينات جامحة، ومن الخط رشاقة حرف، تلك هي قبضته السخية صلابة وليونة، وقوة ومرونة، ورقّة وخشونة، تنداح رسمًا وخطًا ونحتًا، بموهبة ربانية، تسري في شرايينه دمًا وأكسجين حياة، أنامله من ذهب، مخضبة بطين الزرع، بملح البحر، بتراب الأرض.

حينما تصافحك يداه فإنك تصافح يدًا مثقلة بالفن والإنجاز والإعجاز، يد خلقت للتعبير عن الجمال، تلك أنامل الفنان والخطاط والنحات "كمال منصور المعلم".

عنفوان يد اتخذت من تشكيلات الخيل مسرحًا لمشاريع فنية شبه مستدامة، تتقلب بين الرسم والمجسم، بين فضاءات الألوان وانتصاب التماثيل، يد متيمة بتكوينات الخيل في كرها وفرها وإدبارها وإقبالها وسكونها وعناقها، وإطعامها وولادتها وحياتها ومماتها وهيكلها ورفاتها، علاقة عشق ينذر أن تكون عند الفنانين المولعين برسم الخيول، إنها علاقة تواشجية أشبه بعلاقة قربى، موطدة منذ أن وعى العالم من حوله، اقتراب مبكر تحول لألفة وائتلاف، مأخوذ بتربيتها منذ الصبا، رعاية وهوى في النفس، وغرف معرفي بالدراسة الفنية الغربية، ومن الصغر ذكرى عزيزة لأب صعده على صهوة الخيل، بعمر ثلاث سنوات، امتطى العلو صغيرًا بسعادة غامرة، لكن بسمة البراءة لونها الحزن باكرًا بغياب أعز مخلوق في الوجود، رحلت والدته وهو لم يزل ينام في حجرها، فقد دفء القلب والحضن الأكبر، كبر وكبرت أحلامه، وهو مأخوذ باليتم، وحنين يتنامى لاستحضار صورة الأم، شخصية الأب تحتوي ذاك التوق الأمومي كلما لاحت له ذكراها، ويتجاوز عقدًا ونصف من عمره لاهيًا في الحياة، ويفاجئه القدر مرة أخرى ويخطف الموت عمود البيت، رحل الأب وهو على مقاعد الدراسة في المرحلة المتوسطة 1970م، فأصبح يتيم الأبوين وهو في ريعان الصبا، شآبيب رحمة على أرواحهما الطاهرة، ظلت شمائلهما قرة أعين وجدانية عند الأوصياء من الإخوان، عيشة هنية في كنفهم، لم يأل جهدًا إلا ووفروه، مسحوا أي بارقة دمع في عينيه، أحاطوه عطفًا وسخاءً بحجم كرم العائلة ومكانتها الكبيرة في المجتمع، وكأن لا أثر للفقد أو الحرمان في حياته، فأكرمه أخوه الأكبر بفرسين وهو في مقتبل الشباب، امتلاك فرس حلم، اثنتان امتلاك دنيا، بل تحليق من خيال.

لكنه انحاز لواحدة منهن، بصحبة يومية يشكي لها ألمه وهمه ويبث مشاعره وأحاسيس الالتياع، استأنس لكائن مؤنسن سلوى لفقد الأعزاء، لحنان ملاك مفتقد، روح الخيل تلبست كيانه، عبور لرائحة الوالدين، ذكراهما حرز مبارك، وتميمة نصر، إلى حيث يمضي، انطلقت فرسه تحوم في اللاوعي، بتلاحم أطياف الوعي على امتداد أيامه وشهوره وسنينه، تتوهج إبداعًا في كل اشتغالاته.

ريشته روضت الخيل في أديم اللوحات، وأصابعه صيرت "الحديد والفايبر جلاس والسلستيل" جسدًا مشرئبًا في أكبر حدائق الصين، خيوله ممشوقة القوام أودعها كمالًا تسر الناظرين، انطبعت ذاكرة الفن والفنانين بنظرة توئمية، بمجرد ذكر "كمال" تقفز الخيل معه، وجهان في مرايا الآخر، حوار خفي بينهما لا ندرك سره، همس ولمس وتربيت على العنق والهامة، يتأبطها خيرًا بين يديه، يسرجها نصًا بصريًا تسابق الريح، يلجمها ألوانًا بثراء، وخطوطًا من حراك، خيوله حرة طليقة دون فارس يمتطيها، لا يحبذ أن يثقلها بجسم آخر، لكنه هو فارسها ترجل عن كاهلها بعد أن قضى وطرًا على صهواتها في "نادي دسكانا للفروسية / بإيطاليا" تدريبا مكثفًا ورياضة مفضلة، خبرها عن قرب، فكل تعبيراته من وحي المعاشرة علاقة حب متلازمة، وليس كبقية الفنانين افتتانًا بالخيل من بعد، وشتان بين خائض البحر وبين الواقف على الشاطئ!

كل خط يسطره وكل لون يضعه وكل مجسم ينصبه، مقترن ظلًا بظل، ولمسًا بلمس، نفسًا بنفس، نبض قلب بقلب، التحام جسدين، مسكون بعوالمها، يحورها تكوينًا يخصه لوحده، بأسلوب متفرد، يشكلها تجسيدًا لا يشبه تكوين أحد، يميزها عن كل الخيول، بتمدد رقبتها المضاعف بالتفافات مرنة، وبحنو رأسها بانسيابية أخاذة، ووجهها يكتسي تعابير حمحمة وصهيل، وأحيانًا يضيف للحافر ثلاثًا كوثبة حركية وبتوازن على رجل واحدة كما أبدع في "مجسم العاديات" بإعجاز قل نظيره في النصب الميدانية بأن يقف مجسم حصان على رجل واحدة! والحافر يتطاير منه الشرر، ما أشد جرأته وصلابته حينما أقدم ببتر رجل الحصان في "مجسم حرير الخيل"، أغار على الشكل الوظيفي بانقلاب النظرة التقليدية، كسر قاعدة التناظر، لإيجاد توازن غير مرئي! وربما أرادها الفنان، رمزية مضمرة لثبات الحصان في أرض المعركة، حتى لو أصيب إصابة بالغة لا يتخلى عن صاحبه مهما اشتد الوطيس ويقال هي صفة الخيل العربي، والمعنى يأخذ بعدًا آخر، دلالته مبطنة لها إسقاطاتها على حياتنا المعاصرة.

أنامل "كمال" لا يهدأ لها شكل ثابت ولا وسيلة تعبير معينة، ولا خامة تنفيذ محددة، هي مهووسة بتجريب كل شيء، شغوفة بالتكوينات المفتوحة على كل الاحتمالات، طموحها جموح خيل مسافرة لا يستقر لها مقام ولا مكان، حراكها ديناميكية، فرسه ذاتها كأنهما نفس واحدة، ينثران البهجة والمسرة، وآيات الجمال أينما حلا وأينما اتجها.