الذنوب والحظ العاثر

لسنوات طويلة كنت أؤمن بالحظ بالمعنى الذي يشير لحدوث أشياء جيدة ليس لها أسباب منطقية، وأن هناك أشخاصًا محظوظين وآخرين على غير ذلك، هذا ما جعلني حينما كنت طالبًا في الجامعة أكرر دائمًا على مسمع صديقي "علي" أنه شخص محظوظ حينما كان أفضل الأساتذة من نصيبه في كل فصل، في حين كان نصيبي أسوأ الأساتذة وأكثرهم رغبة في إيذاء الطلاب.
اليوم وبعد ما يقارب العشرين سنة أدركت أنه لا ثمة حظ عاثر وحظ جيد، وأن الأرزاق والآلام ليست عشوائية، وهي تقسم على العباد بشكل غاية في الدقة، هكذا أمر يعني أن النعم والنقم التي تصيب الإنسان ليست سوى نتائج لأفعال حسنة أو سيئة يفعلها متعمدًا أو حتى من غير قصد ما لم يعاجل إلى التوبة والاستغفار.
في الرواية عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنه قال: "احذروا الذنوب، فإن العبد يذنب الذنب فيحبس عنه الرزق"، وعن الصادق (عليه السلام) قال: "ما أنعم الله على عبد نعمة قط، فسلبها إيَّاه، حتى يذنب ذنبًا يستحق بذلك السلب"، وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "أما إنّه ليس من عرقٍ يضرب ولا نكبةٍ ولا صداعٍ ولا مرضٍ إلّا بذنبٍ، وذلك قول الله عزَّ وجلَّ في كتابه {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} ثمّ قال عليه السلام: وما يعفو الله أكثر ممّا يؤاخذ به".
هذه الروايات وروايات أخرى كثيرة تؤكد أن الدنيا هي جدار مليء بأبواب النعم، غير أن هذه الأبواب تفتح وتقفل بالعمل الصالح والسيئ، وأن توفيقات الإنسان وآلامه هو بنفسه من يحددها، وحينما يظن أن حظًا عاثرًا يلازمه فينبغي له أن يراجع يومياته جيدًا، ولا شك أنه سيرى ذنبًا يحول بينه وبين التوفيق، أما إذا وجد شخصٌ عاص أن الخير والنعم تحيطه من كل جانب، فليتأكد أن ثمة خطب سيصيبه لا محالة عاجلًا أم آجلًا، وسيجد وبال أفعاله وعاقبتها.
المبرر للحديث عن هكذا أمر هو ما يعتقد به البعض أن هناك ما يشبه العشوائية في توزيع الأرزاق والعياذ بالله، هكذا يبدو التبرير الجاهز لكل عثرة وألم يصيب هكذا شخص بأنه صاحب حظ عاثر، في حين يبرر كل توفيق ونعمة يمن بها الله سبحانه وتعالى على أحد بأن سببها الحظ الجيد، في حين أن كل ما يجري في هذه الحياة هو وفق منهاج غاية في الدقة ولا يوجد فيه أي نسبة من العشوائية والتخبط.
ولعل القرآن الكريم أشار بوضوح إلى أن الحظ ليس معنى خرافيًا وعشوائيًا حينما ذكر في الآية الكريمة "ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم"، فالجنة هنا لا تؤتى إلا بالتقوى، فهل المحظوظ سيدخل الجنة خبط عشواء دون تقوى فقط لأنه كذلك؟! يقول تعالى: "أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ"، ويقول "إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ"، كل ذلك وآيات كثيرة تؤكد أن ثمن الجنة هو العمل الصالح وليس الحظ بالمعنى العشوائي.
لقد وردت روايات كثيرة عن آل محمد (صلوات الله عليهم)، تؤكد أن الذنوب هي المسبب لكل نقمة، وأن السبيل لتحسين الرزق هو في الحذر من الذنوب والاستغفار منها، كما أكدت على أعمال تجلب لصاحبها الرزق، وفي الرواية عن الإمام الصادق )عليه السلام): "صلاة الليل تحسن الوجه، وتحسن الخلق وتطيب الرزق، وتقضي الدين، وتذهب الهم ، وتجلو البصر، عليكم بصلاة الليل، فإنها سنة نبيكم، ومطردة الداء عن أجسادكم"، كما ورد عن الإمام علي عليه السلام: "أكثروا الاستغفار تجلبوا الرزق"، كما ورد عن إسماعيل بن سهل قال: "كتبت إلى أبي جعفر صلوات الله عليه: إني قد لزمني دين فادح فكتب: أكثر من الاستغفار ورطب لسانك بقراءة "إنا أنزلناه"، كما ورد عن زين العابدين (عليه السلام) أنه قال: "حجوا واعتمروا تصح أجسامكم، وتتسع أرزاقكم ويصلح إيمانكم، وتكفوا مؤونة الناس ومؤونة عيالكم.
ملخص القول: إن الدنيا كخط الأعداد الذي منتصفه الصفر، فبقدر ما يذنب الإنسان ويصر على ذنبه فبقدر ما يقرر هو لنفسه عاقبة سيئة في الدنيا قبل الآخرة، وبقدر ما يتقي ويصبر فإن الله يمنحه الخير والاطمئنان الكافي لحياة هانئة.



