الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

مُسَافِرَةٌ فِي الْقِطَار

فوزي آل غريبالثلاثاء 13 أكتوبر 2026، 10:06 ص
مُسَافِرَةٌ فِي الْقِطَار

سألتِ: «أهذا المقعدُ خالٍ؟»

رفعتُ حقيبتي،

وجلستِ…

لم أدرِ كيف أُعيدُ عيني للكتاب،

ولا لماذا صرتُ أقرأ

كلَّ سطرٍ مرّتين.

وكان خلفَ الزجاجِ

يمرُّ حقلٌ،

ثم بيتٌ،

ثم ظلُّ امرأةٍ تنشرُ الثياب…

وأنا أراقبُ في الزجاجِ

انعكاسَ وجهكِ،

كلّما التفتِّ نحوي

قلتُ: ما أجملَ الريفَ البعيد!

ضحكتِ،

كأنكِ أدركتِ ما أخفي،

وسألتِ عن اسمِ الكتاب.

حدّثتُكِ عن كلِّ شيءٍ فيه،

إلّا قصّتَه؛

فقد نسيتُ،

وأنتِ تُصغين،

ما قرأت.

تقاسمنا قهوةً

لم تُحسن العربةُ إعدادَها،

وقلتِ: «مُرَّةٌ».

ثم عدتِ إلى الحديث،

وبقيتُ أُمسكُ بالكوبِ الفارغ

كي لا أقطعَ عنكِ حكايةً

أحببتُ فيها

حتى الذين لم أعرفهم.

وحين مالَ القطارُ،

لامستْ يدُكِ يدي؛

قلتُ: «عفوًا»،

قلتِ: «لا بأس».

ثم طالَ صمتُنا،

ولم يسحبْ أحدٌ

يدَه.

سألتُكِ:

«في أيِّ محطةٍ تنزلين؟»

فقلتِ: «في الآتية».

نظرتُ إلى ساعةٍ

لم أسألِ الوقتَ عنها

طوالَ الطريق،

وقلتِ وأنتِ تطوينَ وشاحَكِ:

«ما أسرعَ هذه الرحلة!»

أردتُ أن أقولَ: ابقي،

ولكنّ لي حقَّ أمنيةٍ،

وليس لي حقُّ أن أُغيّرَ وجهتَكِ.

فحملتُ عنكِ الحقيبةَ،

وفي القلبِ مروءةُ عربيٍّ

لا يرضى لكِ ثِقلًا،

وفي يديهِ متّسعٌ

من الوقتِ،

ومشينا إلى البابِ

ببطءٍ

لا يحتاجُه الممرّ.

هناك،

قبلَ النزول،

طلبتِ كتابي،

وكتبتِ في الصفحةِ الأولى

اسمَكِ ورقمَكِ،

وموعدًا تحتَه خطّان.

قلتِ:

«في المقهى المقابلِ للمحطة…

سأنتظرُك».

وسألتِ: «أتأتي؟»

قلتُ: «آتي».

فضحكتِ،

وقلتِ:

«إذنْ، لا تُضِعْ كتابَك».

نزلتِ،

وبقيتُ خلفَ الزجاج،

أراكِ تبتعدينَ خطوتينِ

وتلتفتين،

كأنّ شيئًا منكِ

لم ينزلْ معكِ.

وحين تحرّكَ القطارُ،

رفعتِ كفَّكِ،

فرفعتُ كفّي

حتى غبتِ.

ثم عدتُ إلى مقعدي،

وضعتُ حقيبتي فوقه،

وأبقيتُ مقعدَكِ خاليًا.

فتحتُ الكتابَ…

للمرّةِ الأولى

عرفتُ تمامًا

أيَّ صفحةٍ

أريدُ أن أقرأ.