الخميس 15 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الانكسار الروحي وأفق الرحمة الإلهية «1»

حكيمة آل نصيفالخميس 15 أكتوبر 2026، 10:52 ص
الانكسار الروحي وأفق الرحمة الإلهية «1»

ماذا بعد عمل شاق ومجاهدة للنفس لقطع حبائل الأهواء والشهوات المتفلّتة؟

إنه نقاء النفس وتهذيبها الذي يسير بالإنسان في طريق الاستقامة ويقظة الضمير، ولكن قد يقطع الإنسان شوطا في تهذيب نفسه ويشعر بأنه تجاوز كثيرا من مواطن الجهالة والغفلة والاستجابة العمياء للنفس الأمارة بالسوء، حتى يظن أنه بلغ مرحلة من الاستقامة تأمن معها نفسه من الانحراف والسقوط في أتون المعصية وارتكاب العيوب، ثم تأتيه فتنة أو بليّة تختبر مدى تماسكه الإيماني والأخلاقي فتتكشف له جوانب من ضعفه ما كان ملتفتا إليها، فيهرع إلى محاسبة نفسه والبحث عن عوامل الضعف لتجنبها مستقبلا، متسائلا عن حقيقة ما وصل إليه وأسباب هذا السقوط على أرض المعصية.

وهنا تتجلى إحدى الحقائق العميقة في التربية الروحية التي ينبغي التدقيق والتأمل فيها، وهي أن معرفة النفس لا تكتمل في لحظات الطاعة وحدها والاستجابة للفرائض الإلهية، بل تنكشف حقيقتها أيضا في لحظات الاضطراب وهتاف الشيطان ونداء النفس المشتعلة بالغرائز والسقوط بعد أن كان في ظن من أمره ببلوغ ساحل النجاة.

ففي دعاء أبي حمزة الثمالي الوارد عن الإمام زين العابدين

نقرأ هذا الوجع الإيماني: «ما لي كلما قلت قد صلحت سريرتي، وقرب من مجالس التوابين مجلسي، عرضت لي بلية أزالت قدمي؟».

ويصيغه الدعاء بأسلوب السؤال المجازي بغرض التنبيه على أمر مهم يخالج النفس المتألمة من ارتكاب الذنوب، فالاستفهام هنا ليس لطلب معرفة مجهولة فحسب، بل هو استفهام إنشائي يفيد التحسر والتعجب والشكوى، ويكشف عن مجاهدة النفس وخوفها من الانتكاس بعد التوبة، مع التطلع إلى تثبيت الله تعالى لها على طريق الطاعة، ويكشف عن قلب لا يغفل عن الله تعالى واستشعار القرب منه والأنس بذكره، إذ التساؤل يكشف عن رقابة للنفس وتحسس لما يصادفها ويعتريها من حالات تفلت فيها من عقال الضبط والاتزان، فهو قلب يخشى أن تكون استقامته الظاهرة لا تمثل صمام أمان من الانحراف وأضعف من أن تصمد أمام اختبار النفس عندما تعرض لها بلية المعصية، فالإنسان قد ينجح في الطاعة حين تكون الظروف مهيأة ويواظب على أداء الواجبات دونما تقصير أو تأخير، لكن الكاشف الحقيقي لاستقرار الخوف من الله تعالى في نفسه هو مقدار رسوخ إيمانه حين تتعارض شهوته مع تكليفه، أو تتصادم رغباته مع الحق فيجد نفسه أمام ابتلاء يستدعي منه صبرا ومجاهدة أمام موجة عاتية لشهوة تصادف هوى في نفسه.

وهنا تتجلى معادلة إيمانية مهمة تتعلق بالعثرات في طريق مجاهدة النفس والسقوط في بعض المحطات، فلا ينبغي أن يفهم المؤمن أن كل تعثر بوصفه دليلا على رفض الله تعالى له، ولا كل نجاح في العبادة دليلا على بلوغه مقام الكمال؛ فالعبرة ليست بمجرد الوقوف بين يدي الخالق في محراب الطاعة لوحدها، وإنما بصدق التوجه واستمرار المجاهدة وسرعة الرجوع عند الانحراف والنهوض مجددا.

الخبر في مصادر أخرىمصدران نشرته