سهرة ليلة الجمعة


قالت أم سعيد وهي تنظر إلى الساعة بقلق:
— لقد تأخر كثيرًا هذه الليلة!
تنهد أبو سعيد وقال:
— وهل هذه هي المرة الأولى؟ لقد أصبح السهر خارج المنزل عادةً لا يفارقها!
ثم نظر إلى ساعته، وقال:
— اذهبي إلى النوم، وسأبقى أنتظره.
قالت برجاء:
— أرجوك، لا تقسُ عليه. تحدّث إليه برفق، فلعل كلمةً طيبة تفعل ما لم يفعله العتاب.
أجابها بهدوء:
— لا تقلقي... أسأل الله أن يهديني إلى قلبه.
مضت إلى غرفتها، وبقي أبو سعيد وحيدًا في الصالة.
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، والبيت غارقًا في السكون.
تذكّر أنها ليلة الجمعة، ليلة الدعاء والمناجاة، وما رُوي عن الإمام الباقر

:
”إنّ الله تعالى ليأمر ملكًا فينادي كلّ ليلة جمعة من فوق عرشه من أوّل الليل إلى آخره: ألا عبدٌ مؤمنٌ يدعوني لآخرته ودنياه قبل طلوع الفجر فأُجيبه؟ ألا عبدٌ مؤمنٌ يتوب إليّ من ذنوبه قبل طلوع الفجر فأتوب عليه؟“.
شعر أن هذه الكلمات تخاطب قلبه.
نهض، وتوضأ، وبسط سجادته، ووقف بين يدي الله خاشعًا.
وحين سجد، أطال السجود، وانهمرت دموعه وهو يناجي ربه:
— إلهي... هذا ولدي وقطعةٌ من قلبي. لقد تعبت من نصحه، ولم أتعب من حبه. اللهم إن عجز لساني عن هدايته، فلا يعجز لطفك عن ردّه إليك ردًّا جميلًا.
ثم جلس يقرأ الدعاء بصوتٍ خافت، تتخلله العبرات.
...............
في تلك الأثناء، كان سعيد عائدًا مع أصدقائه.
قال لهم بقلق:
— لقد تأخرنا كثيرًا! لا شك أن أبي ينتظرني، وسيبدأ أسطوانته المعتادة من التقريع والتوبيخ!
ضحك صديقه وقال:
— لا تخف! أبوك الآن نائم، المهم أننا سهرنا وانبسطنا!
قال سعيد:
— الله يستر... لقد حذّرني مرارًا من السهر في هذه الديوانية.
توقفت السيارة أمام المنزل، وودّع سعيد أصدقاءه.
اقترب من الباب وهو يرتّب أعذاره.
ماذا سأقول لأبي؟ وكيف سأواجه أمي؟
فتح الباب بحذر، ودخل على أطراف أصابعه.
كان المنزل هادئًا، فتنفس الصعداء، وظن أن والده قد نام.
لكن ضوءًا خافتًا كان يتسلل من الصالة، ومعه صوتٌ حزين يعرفه جيدًا.
اقترب ببطء...
إنه صوت أبيه!
كان جالسًا على سجادته، يقرأ الدعاء، والدموع تنحدر على وجنتيه:
”مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ، إِنْ كُنْتَ رَحِمْتَ مِثْلِي فَارْحَمْنِي، وَإِنْ كُنْتَ قَبِلْتَ مِثْلِي فَاقْبَلْنِي...“.
تجمّد سعيد في مكانه.
لم يعتد أن يرى أباه بهذا الانكسار.
ثم سمعه يردد:
”ارْحَمْنِي يَوْمَ آتِيكَ فَرْدًا، شَاخِصًا إِلَيْكَ بَصَرِي، مُقَلَّدًا عَمَلِي... فَإِنْ لَمْ تَرْحَمْنِي فَمَنْ يَرْحَمُنِي؟ وَمَنْ يُؤْنِسُ فِي الْقَبْرِ وَحْشَتِي؟“.
ارتجف قلب سعيد.
يوم آتيك فردًا...
تخيّل نفسه واقفًا بين يدي الله، بلا أصدقاء، ولا أعذار، ولا شيء سوى أعماله.
تذكّر صلواته التي أخّرها، ولياليه التي أضاعها، ونصائح والديه التي تجاهلها.
ثم نظر إلى أبيه، وقال في نفسه:
كنت أظنه ينتظرني ليعاقبني... فإذا به ينتظرني ليدعو لي!
انهمرت دموعه، وجلس خلف أبيه مطأطئ الرأس، يبكي بصمت.
......................
فرغ أبو سعيد من دعائه، والتفت خلفه، فإذا بسعيد جالسٌ وقد احمرّت عيناه من البكاء.
اقترب منه، ووضع يده على كتفه، وقال بصوتٍ مبحوح:
— إلى متى يا ولدي؟
رفع سعيد رأسه، وقال والدموع تخنق صوته:
— سامحني يا أبي... كنت أظنك تنتظرني لتوبخني، ولم أعلم أنك تنتظرني بقلبٍ يبكي من أجلي!
احتضنه والده وقال:
يا بني، ما سهرتُ لأحاسبك، بل لأنني أخاف عليك، وأرجو أن أراك قريبًا من الله.
اشتد بكاء سعيد، ثم قال:
— من الآن يا أبي، أريد أن أبدأ صفحةً جديدة. من الآن أغلق صفحة اللهو والغفلة، وأفتح صفحة التوبة والندم. سأحافظ على صلاتي، وأختار صحبتي، وأجعل رضا الله ورضاكما طريقًا لحياتي.
مسح أبوه دموعه وقال:
— يا ولدي، باب الله مفتوح، ولكن اجعل توبتك عملًا صادقًا، لا مجرد كلمات.
كانت أم سعيد قد استيقظت، وخرجت تبحث عن زوجها وابنها.
وقفت عند باب الصالة، فرأت مشهدًا لم تتوقعه.
زوجها جالسٌ على سجادته، وابنها ساجدٌ يبكي بين يدي الله.
وضعت يدها على صدرها، واغرورقت عيناها بالدموع.
رفعت كفيها إلى السماء وقالت:
— الحمد لله... الحمد لله الذي أقرّ عيني بهدايته.
وحين انتهى سعيد من صلاته، اقترب من أمه، وقبّل رأسها ويديها، وقال:
— سامحيني يا أمي... لقد أتعبتكما كثيرًا.
احتضنته وهي تبكي:
— يا ولدي، ما أردنا منك إلا أن تكون قريبًا من الله، مستقيم الطريق.
اقترب الأب، وضمّهما إليه.
وفي تلك اللحظة، امتزجت دموع التوبة بدموع الفرح.
كان الفجر يقترب، وكأن نوره يبشّر ببداية حياةٍ جديدة.
- - -
همسة تربوية
ليس كل قلبٍ غافل توقظه قسوة العتاب؛ فبعض القلوب توقظها دمعةٌ صادقة، ودعوةٌ خالصة، وكلمةٌ تنبع من قلبٍ محب.
إذا عجزت كلماتك عن الوصول إلى قلب ولدك، فلا تيأس من الدعاء؛ فلعلّ دمعةً في جوف الليل تفتح بابًا أغلقته سنواتٌ من العتاب.



