إبراهيم الحسين.. شاعر النثر المتوَّج


ثمة تجارب إبداعية لا تستطيع أن تعبر إلى فضاء الاعتراف بسهولة، إذ تضطر، قبل أن تقرأ نصوصها، إلى الدفاع عن حقها في الوجود. وحين يتعلق الأمر بالشعر، تصبح المسألة أكثر تعقيدا، لأن الاختلاف لا يمس شكل الكتابة وحده، بل يقترب من تصورات متوارثة حول ماهية الشعر، وحدود جماله، والمعايير التي ينبغي أن يقاس بها.
وقد كانت قصيدة النثر السعودية واحدة من هذه التجارب التي وجدت نفسها، على امتداد عقود، في مواجهة سؤال المشروعية الشعرية. وبين من رأى فيها خروجا على المألوف، ومن وجد فيها أفقا جديدا للتعبير، مضت التجربة في طريقها، تتشكل عبر نصوص شعرائها، وتتسع بتراكم محاولاتها، وتبحث عن صوتها الخاص في مشهد شعري لم يكن من السهل أن يمنح الأشكال الجديدة اعترافه منذ البداية.
حين كتبت مقالا سابقا، قبل أيام عن قصيدة النثر السعودية، كنت أريد أن أقرأ هذه المسيرة من زاوية مختلفة، زاوية لا تجعل الاختلاف سببا كافيا للاعتراض، ولا تجعل التجديد قيمة مكتملة في ذاته، وإنما تنظر إلى ما أنجزه الشعراء من عمل فني، وإلى التحولات التي أضافوها إلى الكتابة الشعرية في المملكة. وقد توقفت عند عدد من التجارب والأسماء التي رأيت أنها تستحق أن تحضر في ذاكرة الشعر السعودي، وكان الشاعر إبراهيم الحسين من بين تلك الأسماء.
واليوم، يأتي فوز الشاعر ابراهيم الحسين قبل أيام بجائزة الشعر في حفل جائزة جمعية الأدب المهنية السعودية تحت رعاية وزارة الثقافة، والذي يعتبر احد ابرز الاصوات الشعرية السعودية منذ التسعينيات الميلادية من القرن الماضي وحتى وقتنا الحاضر في كتابة قصيدة النثر، ليمنحني مناسبة للعودة إلى ذلك المقال، لا لأقول إن جائزة قد حسمت معركة امتدت نصف قرن، بل لأتأمل ما تعنيه هذه اللحظة في سياق التحولات التي عرفها المشهد الثقافي السعودي.
إنني أجد في هذا الفوز ما يستحق التوقف عنده، فالشاعر الذي تناولت تجربته ضمن سياق قصيدة النثر السعودية يصل إلى منصة التكريم، في لحظة تسمح لنا بأن نقرأ الحاضر على ضوء تاريخ من الاختلاف والتجريب. وهي لحظة لا ينبغي تحميلها أكثر مما تحتمل، لكنها تذكرنا بأن التجارب الإبداعية لا تقاس دائما بموقعها في لحظة ظهورها، بل بما تستطيع أن تبنيه من حضور فني، وما تتركه من أثر في اللغة والذائقة والوعي.
لقد ظل السؤال عن قصيدة النثر طويلا سؤالا عن الشكل: أين الوزن؟ وأين القافية؟ وهل يمكن للنص أن يكون شعرا إذا لم ينتظم في نظام إيقاعي موروث؟ لكن تراكم التجارب يدعونا إلى تجاوز السؤال بصيغته الأولى، لا بإلغائه، وإنما بوضعه في مكانه الصحيح. فالشعر ليس قالبا واحدا، والإيقاع ليس دائما وزنا ظاهرا، كما أن التحرر من الوزن لا يمنح النص، بصورة تلقائية، صفة الشعر.
المسألة، في جوهرها، تتعلق بقدرة اللغة على تجاوز الاستعمال المألوف، وبما يخلقه النص من علاقات غير متوقعة بين الصورة والفكرة والإحساس، وبقدرته على منح التجربة الإنسانية شكلا جماليا خاصا. ومن هنا، فإن الدفاع عن قصيدة النثر لا ينبغي أن يكون دفاعا عن كل ما يكتب خارج الوزن، بل دفاعا عن حق التجربة الجادة في أن تقرأ وفق ما تنجزه، لا وفق الأحكام التي تسبق قراءتها.
ولعل أحد التحولات المهمة في مسيرة قصيدة النثر السعودية هو انتقال النقاش، تدريجيا، من سؤال المشروعية إلى سؤال القيمة. وهذا لا يعني أن الجدل قد انتهى، أو أن جميع الاعتراضات قد زالت، وإنما يعني أن تراكم النصوص والأسماء جعل من الصعب اختزال التجربة في موقف نظري من شكلها. فقد أصبح من الممكن أن نختلف حول قصيدة بعينها، أو شاعر بعينه، دون أن يتحول الاختلاف إلى حكم شامل على الشكل الشعري الذي ينتمي إليه.
وهنا تحديدا أرى أهمية اللحظة الراهنة. ففوز الشاعر إبراهيم الحسين لا يثبت وحده رسوخ قصيدة النثر، لكنه يتيح لنا أن نتأمل حضورها ضمن المشهد الشعري السعودي، وأن نعيد النظر في العلاقة بين التجديد والاعتراف، وبين التجربة الفردية والتحولات الثقافية الأوسع.
ولست معنيا بأن أجعل من قصيدة النثر منتصرا ينبغي أن يحتفل بانحسار الأشكال الأخرى، فالشعر العمودي، بما يملكه من تاريخ وطاقات تعبيرية، وقصيدة التفعيلة، بما راكمته من تجارب، ليسا خصمين لقصيدة النثر. إن المشهد الشعري الأكثر حيوية هو الذي يسمح لهذه المسارات بأن تتجاور وتتفاعل، وأن يظل الحكم بينها للعمل الشعري نفسه، لا للأسماء التي نطلقها على أشكاله.
إن الثقافة التي تنضج لا تتخلى عن تراثها، ولا تجعل من التراث حاجزا يمنع التجديد. إنها تتيح للموروث أن يستمر في إلهام المبدعين، وللأشكال الجديدة أن تختبر إمكاناتها، وللنقد أن يراجع أدواته كلما تغيرت الكتابة. ومن هذا المنظور، فإن قصيدة النثر السعودية ليست مجرد حكاية عن خلاف حول الوزن والقافية، بل جزء من قصة أوسع تتصل بتحولات الحساسية الشعرية، وبعلاقة الثقافة السعودية بأسئلة الحداثة والتجديد.
وحين أعود إلى مقالي السابق، أجد أن ما أردت تأكيده لم يكن انتصارا لشكل شعري على آخر، وإنما إنصاف تجربة تستحق أن تقرأ في سياقها التاريخي والجمالي، وأن تمنح الفرصة الكافية للكشف عن منجزها. ويمنحني فوز إبراهيم الحسين سببا إضافيا للتمسك بهذا الموقف، مع الإيمان بأن الاعتراف الحقيقي لا يكتمل بالجائزة وحدها، بل بالقراءة النقدية، وبحضور النص في ذاكرة القارئ، وبقدرته على البقاء بعد انقضاء لحظة الاحتفاء.
لقد مضى نحو نصف قرن من الأسئلة حول مشروعية قصيدة النثر، وربما أصبح من الضروري أن ننتقل إلى أسئلة أكثر اتصالا بما أنجزته هذه التجربة وما يمكن أن تفتحه أمام الشعر السعودي من آفاق. كيف نقرأ تاريخها؟ ما التحولات التي طرأت على لغتها وصورها؟ كيف نميز بين تجاربها، ونفهم علاقتها بالتحولات الاجتماعية والثقافية؟ وما الذي يجعل بعض نصوصها قادرا على البقاء، بينما تتراجع نصوص أخرى مع الزمن؟
هذه، في تقديري، أسئلة المرحلة المقبلة، أسئلة لا تلغي الاختلاف، بل تمنحه معنى أكثر إنتاجية، وتنقل النقاش من حدود المشروعية إلى فضاء النقد والمعرفة.
أما فوز إبراهيم الحسين، فأراه مناسبة للاحتفاء بالشاعر، واستعادة مسار قصيدة النثر السعودية، والتأكيد على أن التجارب الإبداعية الجادة لا تحتاج إلى أن تشبه ما سبقها كي تستحق مكانها في الثقافة. إنها تحتاج إلى أن تنجز عملها الفني، وأن تبتكر لغتها، وأن تجد طريقها إلى القارئ.
وهذا ما يجعلني أعود إلى الفكرة التي كتبت عنها سابقا: إن قصيدة النثر السعودية أصبحت جزءا من خارطة الإبداع في المملكة، لا لأنها أنهت الجدل حولها، بل لأن تاريخها ومنجزها وأسماء شعرائها باتت تستدعي قراءة تتجاوز السؤال الأول الذي لازمها طويلا.
فالإبداع لا يطلب من الجميع أن يتفقوا عليه، لكنه يستحق أن يقرأ قبل أن يحكم عليه. وحين تتقدم القراءة على الحكم، يصبح الاختلاف فرصة لتوسيع الثقافة، لا سببا لإغلاق أبوابها. ولعل هذه هي الدلالة الأعمق التي أجدها في هذه اللحظة: أن القصيدة، بعد سنوات من الجدل، تستعيد حقها في أن يكون نصها هو بداية الحديث عنها، لا نهايته.



