الأحد 18 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حين يصبح حب الأبناء سببًا في ضعفهم

عباس قاسم الملاحيالأحد 18 أكتوبر 2026، 11:15 ص
حين يصبح حب الأبناء سببًا في ضعفهم

لا نُضعف أبناءنا لأننا لا نحبهم، بل قد نفعل ذلك أحيانًا لأننا نحبهم بطريقة لا تترك لهم مساحة كافية ليكبروا.

في صباح مدرسي عادي، قد يصل طالب إلى بوابة المدرسة ووالده يحمل حقيبته، وتكون والدته قد تابعت واجباته، وأحد أفراد أسرته تدخّل لحل خلافه مع زميل، فيما يتولى الأب التواصل مع المعلم عند كل ملاحظة أو مشكلة.

كل ذلك يبدو في ظاهره اهتمامًا وحرصًا، لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: متى يتحول الاهتمام إلى اعتماد، والحماية إلى حاجز يمنع الابن من تعلم مواجهة الحياة؟

لا أحد يدعو الأب أو الأم إلى ترك الأبناء وحدهم أمام مشكلاتهم، فالأسرة شريك أساسي في التربية والتعليم. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن نساند أبناءنا، وبين أن نؤدي أدوارهم نيابة عنهم.

عبارة مثل: ”اتركها عليّ“ قد تبدو تعبيرًا عن الحب، لكنها إذا أصبحت أسلوبًا دائمًا في التربية فقد تصل للابن رسالة غير مقصودة: أنك لا تستطيع، وأنا أقدر منك على إدارة حياتك.

وحين ينسى الطالب كتابه في المنزل، ليس مطلوبًا دائمًا أن يسارع أحد والديه لإيصاله إليه، بل قد تكون التجربة نفسها فرصة ليتعلم مسؤولية أغراضه. وعندما يختلف مع زميل، يمكن للأسرة أن تستمع إليه وتساعده على التفكير في الحل، قبل أن تتدخل مباشرة في المشكلة. وإذا انخفضت درجته، قد يكون السؤال الأفضل: ”ما الذي تحتاج إلى تحسينه؟“ بدل أن يبدأ البحث عن شخص آخر يتحمل المسؤولية.

المطلوب أن نقف إلى جوار أبنائنا، لا أن نقف مكانهم.

فالمدرسة ليست مكانًا للدرجات والاختبارات فقط، بل مساحة يتعلم فيها الطالب تحمل المسؤولية، وإدارة الوقت، والتعامل مع الآخرين، واتخاذ القرار، ومواجهة نتائج الاختيارات.

وفي الميدان التربوي نلتقي أحيانًا بطلاب يمتلكون قدرات أكاديمية جيدة، لكنهم يجدون صعوبة في التصرف أمام أبسط المواقف دون الرجوع إلى الأسرة. قد يكون الطالب متفوقًا، لكنه لا يعرف كيف يتعامل مع نسيان واجب، أو كيف يشرح موقفه لمعلمه، أو كيف يحل خلافًا بسيطًا مع أحد زملائه.

وهنا تظهر مشكلة الحماية الزائدة.

فالطفل الذي لا يُسمح له بأن يخطئ قد يكبر خائفًا من الخطأ، والذي لا يتحمل نتائج قراراته قد يعتاد الاعتماد على الآخرين، ومن يجد من يزيل العقبات من أمامه باستمرار قد يتعثر عندما يواجه الحياة بعيدًا عن أسرته.

وتزداد المشكلة وضوحًا عندما يصل الشاب إلى الجامعة أو سوق العمل؛ فهناك يصبح مطالبًا بإدارة وقته، والتواصل مع الآخرين، واتخاذ قراراته، وتحمل النتائج. عندها لا تكون المشكلة في ضعف قدراته، بقدر ما تكون في أن فرص التدريب على الاستقلالية لم تُمنح له مبكرًا.

جزء كبير من تدخل الوالدين سببه الخوف الطبيعي على الأبناء: نخاف أن يفشلوا، أو يتعرضوا للإحراج، أو يخسروا فرصة، أو يمروا بتجربة مؤلمة. لكن التربية لا تعني إزالة كل ألم أو عقبة من الطريق.

فالابن يحتاج أن يعرف أن الدرجة المنخفضة يمكن تعويضها، وأن الاعتذار بعد الخطأ قوة، وأن الخسارة ليست نهاية العالم، وأن بعض المشكلات تحتاج إلى صبر ومحاولة، لا إلى تدخل فوري من الأب أو الأم.

وفي مجتمعنا، حيث تحظى العناية بالأبناء بمكانة كبيرة داخل الأسرة، ربما نحتاج إلى توسيع مفهوم ”الاهتمام“. فالاهتمام ليس فقط أن نقدم لأبنائنا كل ما يحتاجون إليه، بل أن نعلمهم كيف يديرون احتياجاتهم بأنفسهم.

أن يرتب الابن أغراضه، ويتحمل مسؤولية أدواته، ويتحدث بنفسه مع معلمه حين يسمح عمره بذلك، ويدير جزءًا من مصروفه، ويختار بين بدائل مناسبة، ويصلح ما أفسده، ويفكر في الحل قبل أن نقدمه له.

هذه ليست قسوة، بل تربية للحياة.

وربما يكون من المفيد أن نستبدل في تعاملنا اليومي جملة: ”اتركها عليّ“ بسؤال بسيط: ”ماذا تعتقد أنك تستطيع أن تفعل؟“

وبدل أن نقول: ”أنا سأتحدث مع المعلم“، نقول: ”حاول أن تشرح له ما حدث، وإذا احتجت إلى مساعدتي فأنا موجود“.

بهذه الطريقة يشعر الابن بالأمان، دون أن يتحول الأمان إلى اتكالية.

وبالطبع، هناك مواقف تستوجب تدخل الأسرة المباشر، خصوصًا في حالات التنمر أو الإساءة أو المخاطر التي تتجاوز قدرة الطالب وعمره. لكن ليس كل خلاف يحتاج إلى ولي أمر، ولا كل ملاحظة مدرسية تستدعي مواجهة، ولا كل خطأ يحتاج إلى من ينقذ الطالب من نتائجه.

الشراكة الحقيقية بين الأسرة والمدرسة تقوم على توزيع المسؤولية: المدرسة تؤدي دورها، والأسرة تؤدي دورها، والطالب نفسه يجب أن يتعلم أن يكون طرفًا فاعلًا ومسؤولًا في هذه المعادلة.

أبناؤنا يحتاجون أن يسمعوا منا: ”أنا معك“، لكنهم يحتاجون كذلك إلى أن يسمعوا: ”حاول بنفسك“.

فالحب الحقيقي لا يعني أن نفتح لأبنائنا كل الأبواب، وإنما أن نعلمهم كيف يفتحونها. ولا يعني أن نحميهم من كل تعثر، بل أن نمنحهم الثقة والمهارة التي تساعدهم على الوقوف من جديد.

نحن لا نربي أبناءنا ليحتاجوا إلينا في كل خطوة، بل لنراهم يومًا يمشون بثقة، وهم يعرفون أننا موجودون متى احتاجوا إلينا.