جنرال روسي يفتح أول مخبز بالقطيف!


في أمسية أخوية احتضنت احتفاءً وديًا بعالم الألسنيات الأستاذ الدكتور أحمد المعتوق، الأستاذ السابق لقسم الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وذلك بدعوة من سماحة الشيخ حسن الصفار بمجلسه الأسبوعي. أثناء تحضيري لتقديم عرض لمحتوى كتاب المحتفى به «تاروت الجزيرة الخضراء ومرفأ الأزمنة - سيرة مدينة»، أخذتني قصة أوردها المؤلف، غريبة في حيثياتها، تداخل فيها الواقعي بالأسطوري، والعسكري بالمدني والديني، حادثة تستحق الوقوف عندها، يُستشف من خلالها بعضٌ من الحالة الاجتماعية في القطيف في العقود الأولى من القرن العشرين المنصرم.
قصة الحادثة:
يذكر المؤلف نقلًا عن والده الشيخ محمد تقي «1918-2011» أنه قَدِم رجل طويل القامة، ذو بشرة بيضاء، أشقر الشعر، أزرق العينين، إلى جزيرة تاروت باحثًا عن المرجع الديني الشيخ عبد الله المعتوق «1857-1943»، وكان وقتها فقيهًا يُرجع إليه في الفتيا، فالتقاه في مجلسه وعرّف نفسه بأنه ضابط عسكري روسي مسيحي الديانة، وعبَّر عن رغبته في اعتناق الإسلام، بل والإقامة الدائمة في المنطقة، فتم الترحيب به، وعلى مدى ثلاثة أيام من الحديث معه انتهى به المطاف إلى اعتناق الإسلام وأجرى مقتضياته، بما في ذلك عملية الختان، كما منحه الفقيه المعتوق اسمه الجديد «عبد الله». وبعد أن استقر المقام بالوافد الروسي، ومن أجل كسب العيش، انتقل إلى القطيف «المدينة»، دون أن يترك التردد على جزيرة تاروت لزيارة الفقيه المعتوق والحديث معه، فكان أن فتح مخبزًا لعمل البقصم «البقسمات/ الشابورة»، كأول مخبز في منطقة القطيف لعمل الكعك المعروف محليًا بالبَقْصَم، وهذا النوع من الخبز، بغض النظر عن أصل المنشأ والتسمية، هو غذاء قديم عُرف منذ الإمبراطورية الرومانية «البيزنطية»، يُجهز لتغذية الجيوش والمعسكرات لأنه غير قابل للتعفن بسبب جفافه، لذا لا غرابة في أن «العسكري» الروسي كان على دراية بعمل «البقصم» الذي لم يكن معروفًا حينها في منطقة القطيف على الأرجح.
إن أول ما يتبادر إلى الذهن هو الشك في صحة أصل حادثة كهذه، حيث لا يُعرَف تاريخ حصولها، ودون ذكر للاسم الذي أتى به الوافد، إلا أن هذا الشك تبدد عندي، كون والد المؤلف «الشيخ محمد تقي» هو المصدر، وهو الشاهد على وقوع الحادثة، وكان هو الذي يستقبل الوافد الروسي في مجلس عمه «الفقيه عبد الله»، حتى إنه أراد يومًا إهداء ساعة يد إلى «الشيخ محمد تقي»، وكان وقتها يافعًا في بداية شبابه، وامتنع عن قبولها استجابة لتوجيه عمه، وتلك دلائل تزيل التردد في قبول صحة الواقعة، بيد أن ثمة وقفتين حيال هذه الحادثة اللافتة نستجلي من خلالهما شيئًا من ملامح الوضع الاجتماعي في حقبة تاريخية سابقة.
الوقفة الأولى: مقاربة تاريخ الحادثة ودلالتها التاريخية والاجتماعية:
يمكن مقاربة تاريخ الحادثة من خلال المرحلة العمرية للشيخ محمد تقي «الشاهد» الذي التقى به، فإذا كان الشيخ من مواليد 1918 م، فيكون عمر الشيخ محمد تقي عند قدوم الرجل الروسي بين «15 و 17» عامًا، وكان ملازمًا في هذا العمر لعمه الشيخ عبد الله، ويعتمد عليه في تلبية احتياجاته المنزلية، ومنها استقبال الضيوف، وكما ذكر المؤلف، فإن والده الشيخ محمد تقي يكون في استقبال الوافد الروسي ويضيفه ويتحادث معه في حال انشغال عمه أو غيابه.
بهذه المقاربة «إن صحت»، تكون الحادثة حصلت بين عامي «1933-1937»، والمعروف تاريخيًا أن عقد الثلاثينيات من القرن الماضي كان الاتحاد السوفيتي تحت قبضة الدكتاتور جوزيف ستالين، الذي حكم بعد لينين منذ منتصف العشرينيات وحتى وفاته عام 1953، والذي توسع في تنفيذ ما بدأه سلفه من المزارع الجماعية التي أفقدت العديد من الأسر أراضيها وممتلكاتها، وأحالت الملايين من الناس في مختلف الأقاليم إلى معسكرات العمل القسري بالإكراه والقوة التي سميت اختصارًا ب«الغولاغ» من أجل إنجاز المشاريع التي تقرها سياسات ستالين في ظروف بالغة القسوة، وساعات عمل طويلة، وتغذية شحيحة، وظروف جوية تصل إلى أربعين درجة تحت الصفر، مما أدى إلى وفاة مئات الألوف من البشر. أما بخصوص الجيش الأحمر، فقد شن ستالين عام 1936 م حملة تطهير واسعة في أكبر عملية إعدامات تعسفية بين أفراد وضباط الجيش إلا من استطاع الهرب منهم، وذلك بتهم عديدة، منها تهمة التعاون مع «ليون تروتسكي»، المنافس الأبرز لستالين على قيادة الدولة، والمتنافرَين في وجهات النظر.
ولعل «الضابط» الروسي من أولئك الهاربين من سطوة الحملات التعسفية، وأراد الوصول إلى نقطة لا يمكن أن ترجعه إلى ذلك الجحيم، ويذكر المؤلف أنه استقر بداية أمره في إحدى قرى إيران وتزوج امرأةً منها، ولكنه قرر الانفصال عن زوجته والرحيل من جديد، وكل ذلك - في تقديري - خوفًا من الوصول إليه، لقرب إيران من الاتحاد السوفيتي، وأيضًا نفوذ السوفيت الأيديولوجي فيها آنذاك، كما أن قبول الرجل بتغيير هويته الدينية في ظرف أيام واختفاء اسمه الحقيقي وكأنها قطيعة تامة مع جذوره التي ينتمي إليها، كل ذلك من تداعيات الهروب والتخلص من القبضة الستالينية، والعيش بأمان في منطقة ليس بينها وبين الاتحاد السوفيتي أي صلة سياسية أو أيديولوجية على المستوى الشعبي إبان فترة ثلاثينيات القرن العشرين، وحيث إن القطيف في تلك الحقبة واحة زراعية وفيرة المياه وأعمال الفلاحة تضم شريحة عريضة من المجتمع، فذلك ما يجعلها ميزة إضافية لوافد روسي «متشرد» على قدر من الارتياح والسكون في بيئة تشبه البيئة الروسية في وجهها الريفي، إذ كانت روسيا تلك الحقبة في أغلبها مجتمعات ريفية، والفلاحة هي العمل الرئيس لمعيشة الملايين من البشر في مختلف الأقاليم التابعة للاتحاد السوفيتي آنذاك.
الوقفة الثانية: خلفية إضفاء طابع أسطوري في حيثيات الواقعة:
ينقل المؤلف في كتابه أن الوافد الروسي أوضح للعلامة الشيخ عبد الله «عم والد المؤلف» في أول لقاء بينهما، بأن سبب تعنيه للوصول إلى جزيرة تاروت «رؤيا منام!»، إذ إن شخصًا نوراني الوجه أتاه في المنام وأمره بالتوجه إلى قرية على ساحل الخليج اسمها «تاروت»، وأن يلتقي فيها برجل دين جليل اسمه «عبد الله المعتوق» لينعم بالأمان إلى جواره ويستفيد من علمه ويكون على ملته، فظل يسأل ويبحث عن هذه القرية وعن الطريق والوسيلة التي توصله إليها، وانتهى به المطاف إلى مبتغاه بعد رحلة طويلة مضنية بحسب فحوى إفادته.
لم يعلق المؤلف على هذه الجزئية من الحادثة، لأن غرضه كما بيّن في مقدمته للكتاب تدوين ما شاهده أو سمعه دون ممارسة دور الباحث المحقق، وكأنما ترك هذا البعد للقارئ أو للباحث التاريخي، ويبدو لي أن هذه السردية صورة من صور المبالغة والخيال الأسطوري الذي يسود بسبب الثقة في إضفاء طابع أسطوري على الحدث من الناقل دون تثبت، ولربما لم تصدر من الروسي حبكة المنام! وإنما نُسجت من خلال التأليف والتناقل الساذج بين الناس، لكن تناقل هذه الديباجة للحادثة يكشف صورة عن الحالة الاجتماعية الدينية في تلك الحقبة.
إذ يبدو أن الحالة الاجتماعية في ذلك الوقت لم تكن على دراية واطلاع بالأوضاع الاجتماعية والأزمة التي عانى منها المجتمع الروسي، وخصوصًا تداعيات معسكرات العمل القسري وغيرها، وذلك لعدم توفر وسيلة إخبارية كالراديو «الذي عرفته القطيف بشكل محدود في الأربعينيات» أو صحف تتيح المجال للتعرف على أوضاع العالم، مما يجعل التعرف على مجرياتها صعبًا إلا إذا وصلت أحداثها وتداعياتها إلى المنطقة. من جهة أخرى، كان جل اهتمام النخبة الدينية آنذاك، وهي المصدر الأساس للتوجيه العام عبر المنابر، منصبًا على تحصيل العلم الشرعي والفكر العَقَدي والنصوص الأدبية، وبهذا الاتجاه كان أيضًا خطابهم وتوجيهاتهم لعموم الناس، مما يجعل الاهتمام والوعي بأوضاع المجتمعات الأخرى، ولا سيما البعيدة، اهتمامًا هامشيًا، من هنا يسهل تصديق «أو تلفيق حكاية» أن الرجل جاء على أثر رؤيا منام، وغاية ما نقله المؤلف أنهم توقعوا أن يكون الوافد مخبرًا لبلاده وأراد التمويه على مهمته بالتظاهر بالالتزام الديني، بيد أن مخالطته من قرب وجديته في المواظبة على فروض العبادات وتجنبه شرب المسكر أزالت عنهم تلك الريبة في شخصيته وأصبح من المقربين. جدير بالذكر أن الوافد الروسي توفي إثر مرض غير معروف، ودُفن في «مقبرة الدهر» بتاروت، علمًا بأنه سبق العلامة عبد الله المعتوق، المتوفى عام 1943 م، في الرحيل عن الدنيا، وهو الذي صلى صلاة الميت على جنازة الجنرال الروسي اللاجئ في جزيرة تاروت!



