امضِ في طريقك


بالأمس، رنّ هاتفي النقال، وكان المتصل صديقًا قديمًا تجمعني به سنوات العشرة والإحترام والمعرفة والذكريات، لم أكن أتوقع أن يتحول ذلك الاتصال إلى حديث يمتد قرابة ساعة كاملة، ولا أن يفتح أمامي أبوابًا من التأمل في طبيعة العلاقات الإنسانية، وما تخفيه أحيانًا خلف الوجوه المألوفة والتي تعرفها جيداً، والكلمات التي تبدو في ظاهرها عادية.
بدأ صديقي حديثه بمقال كتبته عن إحدى الصناعات المحلية المتميزة والسبّاقة التي اندثرت والمرتبطة بعائلة كريمة؛ صناعة تحمل في تاريخها حكاية كفاح وتميز، وتستحق أن نسلّط الضوء عليها، وأن نعيدها إلى الذاكرة بوصفها جزءًا من تاريخنا الاقتصادي والاجتماعي. أراد أن يبدي رأيه فيما كتبت، ثم أخذ ينقل إليّ ما سمعه من أحاديث في بعض الديوانيات، وما دار حول المقال بين عدد من المعارف.
كنت أستمع إليه وهو ينتقل من رأي إلى آخر، ومن حديث إلى ما سمعه هنا وهناك، وكلما امتد الحديث اتسعت دائرته، فلم يعد الأمر مقتصرًا على المقال أو الصناعة التي تناولها، بل تجاوز ذلك إلى الحديث عن الانطباعات والمواقف!!!، وكيف ينظر بعض الناس إلى ما يكتبه الآخرون وما يسعون إلى إنجازه.
مضت الدقائق، ثم مضى الوقت أسرع مما شعرت به، حتى أدركت أنني أمضيت قرابة ساعة في حديث واحد، بدأ من مقال عن صناعة محلية قطيفية وطنية غابت عن المشهد، وانتهى بي إلى مساحة أوسع من التفكير في الناس، وفي اختلاف مواقفهم حين يحاول أحدنا أن يقدم شيئًا، أو يطرح فكرة، أو يفتح نافذة على جانب منسي من تاريخ مجتمعه.
أغلقت المكالمة، لكن الحديث لم ينتهِ عند ذلك الحد؛ فقد بقيت بعض معانيه وماسمعته تدور في ذهني. وتساءلت: لماذا قد يتحول الحديث أحيانًا من مناقشة الفكرة إلى الحديث عن صاحبها؟ ولماذا لا يكون الاهتمام دائمًا بقيمة ما يُقدَّم، وبما يمكن أن يضيفه إلى المعرفة والذاكرة، بدلًا من الانشغال بمن كتبه أو بمدى حضوره ونجاحه؟
لعل هذه من طبيعة الناس والعلاقات الإنسانية؛ فالناس يختلفون في نظرتهم إلى النجاح، كما يختلفون في طريقة استقبالهم لإنجازات الآخرين. فمنهم من يفرح لك بصدق، ويشجعك على المضي قدمًا، ومنهم من ينتقدك ليضيف إلى تجربتك، ومنهم من قد لا يرتاح لتقدمك، وربما يفضّل أن تبقى في المكان الذي اعتاد أن يراك فيه ويش الحل وياه، فقط استمر ولا تلتفت خلفك.
هذا لا يعني ذلك أن نحكم على النيات، أو أن نفسر كل نقد بأنه ضغينة أو حسد، أو أن نضع كل اختلاف في خانة الخصومة!!! فالنقد الصادق ضرورة، والاختلاف حق، وما يُنقل في المجالس قد يكون رأيًا يستحق الاستماع، وقد يكون مجرد انطباع لا ينبغي أن نبني عليه موقفًا. لكن الحكمة أن نعرف كيف نستمع، ومتى نراجع أنفسنا، ومتى نترك ما لا يستحق أن يشغلنا ويعطلنا.
حين يكون جهدك وعملك متعلقًا بتوثيق صناعة محلية اندثرت، أو استعادة حكاية من تاريخ المكان، أو إبراز منجز صنعه أبناء مجتمعك في زمن مضى، فإن قيمة العمل تتجاوز شخصك. أنت لا تكتب لتضيف اسمًا إلى الأسماء، بل لتضيف معلومة إلى الذاكرة، وتحفظ حكاية من النسيان، وتمنح الأجيال القادمة فرصة للتعرف على ما صنعه السابقون.
هنا، لا ينبغي أن تتوقف هذه المحاولات عند رأي قيل في مجلس، أو انطباع نُقل في مكالمة، أو حديث لم تتضح جميع جوانبه. بل ينبغي أن تكون تلك الآراء دافعًا إلى مزيد من الاستمرار والدقة والتوثيق، وإلى مراجعة ما نكتب بإنصاف، ثم مواصلة الطريق بثقة وهدوء.
امضِ في طريقك، لا لتثبت أنك أفضل من أحد، بل لأنك تؤمن بقيمة ما تفعل.
استمع إلى الناس، وخذ من النقد ما ينفعك، ولا تجعل ما يُقال عنك مقياسًا لقيمة عملك. لا تتعالَ على أحد حين تنجح، ولا تتراجع عن هدف نبيل لأن الجميع لم يصفقوا له. فليس من الضروري أن يتفق الناس على تقدير كل ما تقدمه، لكن من الضروري أن تكون أنت مقتنعًا بجدواه، أمينًا في طرحه، وصادقًا في غايتك.
وفي نهاية المطاف، ليست العبرة بكثرة من يتحدثون عنك، بل بما تتركه من أثر؛ وليست قيمة ما تكتبه في عدد من أثار حديثهم، بل في مقدار ما يضيفه إلى المعرفة، وما يحفظه من تاريخ، وما يوقظه من اهتمام.
امضِ في طريقك؛ فليس كل حديث يستحق أن يوقفك، وليس كل رأي يستحق أن يغيّر وجهتك. بعض الأعمال يكفيها أن تُنجز بإخلاص، وأن تترك للأيام فرصة إظهار قيمتها.



