ما لا تعرفه عن العلوم الاجتماعية


تندرج العلوم الاجتماعية في بعض التصنيفات الأكاديمية ضمن كليات الآداب، فبدونها قد تسود الفوضى وتضعف قدرة المجتمعات على فهم مشكلاتها ومعالجتها. ومع ذلك، فإن الكثير منا، من أفراد ومجتمعات ومنظمات وأقاليم ودول، لم يفهموا هذه العلوم البالغة الأهمية والحساسية ولم يقيّموها فهمًا وتقييمًا كافيين.
فهي تسهم في دراسة القيم الأخلاقية والسلوك الإنساني، ولذلك تندرج بعض هذه التخصصات ضمن كليات الآداب «Colleges of Arts». وهذا الأمر ينقلنا إلى قصة في غاية الروعة، حدثت قبل بعثة النبي محمد ﷺ بنحو خمس سنوات، عندما أعادت قريش بناء الكعبة بعد أن تصدعت جدرانها بسبب سيل عارم. وعندما وصلوا إلى مرحلة وضع الحجر الأسود في مكانه، اشتعل نزاع كبير بين القبائل، حيث أرادت كل قبيلة نيل هذا الشرف العظيم، وكاد الأمر أن يتحول إلى حرب دموية بينهم. بعد أيام من الخلاف، اقترح أبو أمية بن المغيرة المخزومي «وكان من كبار قريش سنًا» أن يُحكِّموا أول من يدخل عليهم من باب المسجد الحرام. وكان أول من دخل النبي محمد ﷺ، فلما رأوه قالوا بصوت واحد: «هذا الأمين، رضينا به، هذا محمد». بعد أن استمع ﷺ إلى المشكلة، طلب ثوباً «قماشاً»، ثم قام بما يلي:
- وضع الحجر الأسود بيده الشريفة في وسط الثوب.
- طلب من رؤساء القبائل المتنازعة أن يمسك كل منهم بطرف من أطراف الثوب.
- أمرهم بأن يرفعوه جميعًا في وقت واحد، ففعلوا حتى أوصلوه إلى موضعه.
- أخذ النبي ﷺ الحجر بيده الشريفة ووضعه في مكانه من جدار الكعبة.
بهذا الحل الذكي، نالت جميع القبائل شرف حمل الحجر الأسود بالتساوي، وانتهت الأزمة وحُقنت الدماء بفضل حكمة النبي ﷺ.
لقد لعبت التخصصات التي تندرج تحت مظلة كليات الآداب والعلوم الاجتماعية دورًا جوهريًا في تشكيل العصر الحديث في الغرب وتسريع وتيرته. ورغم أن قسمًا أكاديميًا بعينه لم يكن المسؤول بمفرده عن خلق هذا العصر، إلا أن الدراسة المنهجية للثقافة والسلوك والتاريخ البشري كانت بمنزلة محفز للفكر الحديث، ووسيلة رئيسية لتوثيقه. وبالفعل، أسهمت كليات الآداب والعلوم الاجتماعية في تطور الفكر والمؤسسات الحديثة في الغرب، وذلك من خلال إعادة هيكلة التعليم العالي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين «تقريبًا بين عامي 1870 و 1930».
قبل أواخر القرن التاسع عشر، كان تركيز الجامعات الغربية ينصبّ بشكل أساسي على اللاهوت، والدراسات الكلاسيكية «اللغتين اللاتينية واليونانية»، وإعداد شباب النخبة ليصبحوا «رجالًا مهذبين» «gentlemen». وقد حدث الانتقال المتسارع نحو العصر الحديث عبر موجتين رئيسيتين:
- الثورة الهومبولدتية «منذ أوائل القرن التاسع عشر»: استلهامًا من نموذج الجامعة الألمانية الذي ارتبط بفيلهلم فون هومبولدت، تحولت الجامعات من مجرد مؤسسات لحفظ المعرفة القديمة إلى مراكز لإنتاج معرفة جديدة من خلال البحث العلمي.
- التوسع في الحقبة التقدمية «من تسعينيات القرن التاسع عشر إلى عشرينيات القرن العشرين»: في الولايات المتحدة وأوروبا، أسهم تدفق الثروة الصناعية «إلى جانب تشريعات مثل قوانين موريل لمنح الأراضي في الولايات المتحدة» في تمويل توسع سريع في الجامعات. وفي هذه الفترة تحديدًا، توسعت الأقسام الأكاديمية الحديثة في مجالات الاقتصاد، وعلم الاجتماع، والعلوم السياسية، والتاريخ الحديث.
وقد دفعت كليات الآداب والعلوم الاجتماعية عجلة العصر الحديث في الغرب إلى الأمام من خلال آليات جوهرية:
- تطوير العلوم الاجتماعية لفهم مشكلات المدن الحديثة وإدارتها: أدى التصنيع إلى ظهور مشكلات ضخمة وغير مسبوقة، مثل الاكتظاظ الحضري، والإضرابات العمالية، والأزمات الصحية العامة، والفقر المدقع.
أولًا، علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية: استخدمت أقسام أكاديمية مثل «مدرسة شيكاغو لعلم الاجتماع»، المدينةَ ذاتها مختبرًا بحثيًا، حيث استخدمت أدوات بحثية تعتمد على البيانات، مثل الإحصاءات ورسم الخرائط والعمل الميداني، لمساعدة الحكومات في إدارة السكان في المناطق الحضرية.
ثانيًا، الاقتصاد: أسهمت الجامعات في انتقال دراسة الاقتصاد من الفلسفة الأخلاقية إلى مناهج أكثر اعتمادًا على الرياضيات والبيانات. وقد ساعد هذا التحول البنوك المركزية والشركات الحديثة على وضع التوقعات، وتنظيم الأنشطة، وتوسيع نطاق الرأسمالية الصناعية.
- خلق النخبة البيروقراطية والإدارية: احتاجت الدول الحديثة والشركات العالمية إلى آلاف الإداريين والدبلوماسيين والمديرين المتخصصين لضمان سير أعمالها.
العلوم السياسية والإدارة العامة: عملت هذه الأقسام على توحيد معايير تدريب الموظفين العموميين، سعيًا إلى الحد من المحسوبية والفساد، وتعزيز ممارسات إدارية قائمة على «الجدارة».
اللغات الحديثة والجغرافيا: مع توسع الإمبراطوريات الغربية وشبكات التجارة العالمية، قامت كليات الآداب بتخريج اللغويين والدبلوماسيين والجغرافيين الذين برزت الحاجة إليهم للتعامل مع الأسواق الدولية والجغرافيا السياسية.
- تشكيل الهوية الوطنية: احتاجت المجتمعات الحديثة إلى وسيلة جديدة لتوحيد الأفراد وغرس القيم.
الآداب الوطنية والتاريخ: لم تعد أقسام التاريخ والأدب تقتصر على دراسة روما واليونان القديمتين، وبدأت بدلاً من ذلك بتدريس التاريخ الوطني والآداب المكتوبة باللغات المحلية «مثل الأدب الإنجليزي والفرنسي والألماني». وقد ساهم هذا بفعالية في بلورة المفهوم الحديث ل«الدولة القومية» وتشكيل هوية ثقافية مشتركة.
- تعزيز الثورة العلمية والصناعية: أسهمت «العلوم الإنسانية» «وتحديدًا البحث في العلوم الإنسانية والتفكير النقدي» في دعم تطور العلوم الطبيعية بوسائل متعددة.
المنهج العلمي: دمجت الجامعات البحثية الحديثة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية ضمن توجه فكري يعزز التساؤل والنقد المنهجي. فقد علّمت كليات الآداب الطلاب كيفية مساءلة الأفكار السائدة، ونقدها بصورة عامة، وإخضاع الأدلة للفحص والمراجعة النقدية، وهي مهارات أسهمت في تهيئة بيئة معرفية داعمة للإنجازات العلمية في مجالات الهندسة والطب والتكنولوجيا.
وفي الختام، أتشرف بتقديم النسخة الورقية الأولى من كتاب «التكامل الخماسي» إلى جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل، ممثلةً في كلٍّ من:
الدكتورة مشاعل بنت علي العكلي، عميدة كلية الآداب، والدكتورة سامية بنت مسفر الهاجري، وكيلة البحث العلمي والابتكار بكلية الآداب. وقد سعدت بهذا اللقاء المهم. إن الأبواب الخمسة لكتاب «التكامل الخماسي» تسعى إلى تعزيز التوافق الروحي والفكري والتنموي، وغيرها، وذلك على خمسة مستويات: الفرد والمجتمع والمنظمة والإقليم والدولة.






