وفاءٌ لمن رحلوا وعرفانٌ لمن حفظوا الأثر


بكثير من الامتنان والحنين قرأت مقال الأستاذ إسماعيل هجلس «حين تستكمل الذاكرة حكاية المكان»، الذي تناول فيه سيرة والدنا الراحل، الحاج سعيد علي الحوري «أبو محمد»، رحمه الله، وتوقف عند جانب من حياته وحرفته في تقطير الأعشاب واستخلاص مياهها العطرية، وهي من الحرف التي عُرفت في القطيف وارتبطت بحياة أهلها قديمًا.
كان للمقال وقع خاص علينا نحن أبناءه؛ فالحديث عن والدنا ليس بالنسبة إلينا استعادةً لسيرة صاحب حرفة فحسب، وإنما استعادة لوجه نعرفه ونشتاق إليه، ولأيام بقي الكثير منها حاضرًا في ذاكرتنا. وما كتبه الأستاذ إسماعيل أعاد إلينا شيئًا من تلك الأيام، وذكّرنا بجيل من الآباء عاشوا حياتهم في صبر وكفاح، ولم يكونوا يبحثون عن شهرة أو حضور، بقدر ما كانوا حريصين على العمل والسمعة الطيبة.
وكانت حرفة والدنا جزءًا من حياته وعلاقته بالناس من حوله. مارسها بمحبة وإتقان، واتخذ منها بابًا للرزق الشريف وخدمة أهل مجتمعه. وهي في الوقت نفسه واحدة من الحرف التي تحمل في تفاصيلها جانبًا من تاريخ المنطقة وخبرات أهلها التي توارثوها عبر السنين.
وفاءٌ يكتمل بتضافر الأقلام
وإذ نشكر الأستاذ إسماعيل هجلس على ما كتبه، فإن من الوفاء أيضًا أن نذكر للأستاذ أحمد السويكت فضل المبادرة الأولى في تسليط الضوء على سيرة والدنا وإرثه المهني، وما بذله من بحث وتقصٍّ واهتمام لإبراز جانب من تاريخ هذه الحرفة وأصحابها.
وجاء مقال الأستاذ إسماعيل بعد ذلك ليضيف إلى ما سبق جوانب أخرى من الحكاية. وهذا ما يجعل مثل هذه الكتابات مهمة في نظرنا؛ فكل جهد صادق في البحث والتوثيق يساعد على حفظ شيء من حياة الآباء، ويعرّف الأجيال بمن سبقوهم وبالأعمال التي كانت يومًا جزءًا من الحياة اليومية في مجتمعهم.
وقد توقفنا بتقدير عند ما ورد في المقال من اعتذار عن نقص بعض التفاصيل أو عدم اكتمال بعض المعلومات. ونقول للأستاذ إسماعيل بكل محبة: ما قدمته يستحق الشكر، ولا يستدعي الاعتذار. فليس من السهل بعد مرور السنين الوصول إلى كل التفاصيل، والتوثيق لا يكتمل عادة بجهد واحد، وإنما ينمو بما يُضاف إليه من شهادات ومعلومات ووثائق.
ولهذا فإن أي رواية موثوقة أو صورة قديمة أو تسجيل محفوظ قد يضيف تفصيلًا لم يكن معروفًا من قبل. وربما تكمن قيمة هذه الجهود في أنها تفتح الباب أمام آخرين ليشاركوا بما لديهم، حتى تصبح الصورة مع مرور الوقت أكثر اكتمالًا.
دعوة لحفظ الإرث
ومن هنا نتوجه إلى كل من يحتفظ بصورة أو تسجيل صوتي أو مقابلة أو وثيقة لها صلة بوالدنا وحرفته، ونأمل منه التنسيق مع أبنائه لجمع هذه المواد وحفظها وتنظيمها، مع حفظ حقوق أصحابها وذكر مصادرها.
وما يدفعنا إلى ذلك أن هذه المواد، وإن كانت عزيزة علينا بوصفها جزءًا من تاريخ أسرتنا، فإن قيمتها لا تقف عند حدود العائلة. فهي أيضًا شواهد على مرحلة من تاريخ القطيف، وعلى حرفة تراثية كانت حاضرة في حياة الناس واحتياجاتهم اليومية.
ونأمل أن يكون جمع ما يتيسر من صور وشهادات ومقابلات في ملف واحد بداية لعمل توثيقي أوسع عن هذه الحرفة ومن عملوا فيها. فهناك أسماء وتجارب تستحق أن تبقى معروفة، لا لأصحابها وأسرهم وحدهم، وإنما لكل من يهتم بتاريخ المنطقة وحياتها الاجتماعية.
كلمة وفاء وعرفان
وفي الختام، نتقدم بخالص الشكر والعرفان إلى الأستاذين إسماعيل هجلس وأحمد السويكت على اهتمامهما وجهدهما في التوثيق. وما كتباه عن والدنا يعني لنا الكثير؛ لأنه أعاد اسمه وسيرته إلى الحديث من جديد، وذكّر بجانب من حياته وحرفته التي أفنى فيها سنوات من عمره.
رحم الله والدنا، ورحم آباءنا الذين مضوا وتركوا وراءهم سيرة طيبة وذكرًا حسنًا. وجزى الله خيرًا كل من يسهم بكلمة أو صورة أو شهادة في حفظ تاريخهم من النسيان، حتى يبقى للأجيال القادمة شيء مما عرفناه وعاشه من سبقونا.



