الخميس 29 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ترميم الحكاية المفقودة

أثير السادة · مجلة اليمامةالخميس 29 أكتوبر 2026، 1:31 م
ترميم الحكاية المفقودة

رواية علي سباع الصادرة مؤخرا عن دار منشورات كلمات، ”قلعة من رماد“، تستحضر ذاكرة الدولة العيونية في هذا الإقليم، ضمن لعبة سردية تستعمل التاريخ كمادة خام فقط لإعادة انتاج تصوراتها المتخيلة عن الأحداث التي رسمت ملامح هذه الدولة البعيدة عن التدوين، إلا من الذاكرة الشعرية لابن المقرب العيوني التي دونت أوصاف وأحوال تلك الأحداث والأماكن والشخصيات.

يختار سباع الفصل الأخير من حياة هذه الدولة تحديدا ليعيد ترميم الحكاية المفقودة، يرسم من خلالها حدود المؤمرات والوشايات التي كانت تنخر جسد الدولة، نرى فيها ظلال القصر الذي يعيد اكتشافه البطل الأول للراوية، الرحاب بن الربيع، وهو يستدعي مرض الأمير عماد الدين وقصة تشافيه قبل أن تأخذنا التفاصيل إلى مقتله، وبداية رحلة البحث عن الثأر له.

أسطورية تبدو شخصية البطل في هذه الراوية، فيها يشتهي الرحاب مواجهة الموت، يبلغ به الأمر بعد الفشل في احتلال القلعة إلى الذهاب إلى مقصلة الموت برجليه، يسلم نفسه للأمير العزيز قبل أن تدركه شفاعة ابن الحصار، ليصبح مصيره السجن المؤبد، قبل خروجه المبكر منه باتجاه جزيرة قيس، في مهمة أخرى لمجابهة الموت، وهو يدفع من الملك غياث الدين لمواجهة مطامع الأمير الفضل.

في الرواية يتحول البطل إلى جسد موشى بالطعنات والشهوات معا، تحولاته تبدو امتدادا لتحول علاقته بالإماء اللاتي مثلنا عناصر فاعلة في السرد، فهن الثقوب التي يتسلل منها أخبار القصر ومؤامرته، وهن بمثابة المشهد الموزاي لصور الخيانات السياسية، ما يجعل من الشهنامة والنطيعة، أصواتا أنثوية يشحن النص بالدلالات التي تعيد توصف القصر وأحواله.

القطيف التي تبدو الفضاء المكاني للرواية يحاصرها الخوف من تلك المعارك، لا يحضر ناسها في متن الصراع إياه، فهم ليسوا أبناء قتال على حد وصف الراوي، مشغولون بمعايشهم اليومية، بالصيد والزراعة، يمكن القول بأن الراوي تشاغل في رسم صورة جمالية للمكان، إلا أن صور الناس في ذلك المكان بدت ضبابية، لها نكهة الحياد الذي لا يكفي لتفسير الواقع الاجتماعي وعلاقته بالسلطة في تلك الحقبة، فالقطيف هنا تستحيل صورة من الدم والموت، يموت فيها أمير ليحكم آخر.

إلا إن سباع يختار نهاية تتجاوز الموت في حكايته، يقف عن حدود المعاهدة التي جرت بين الملك غياث الدين والأمير الفضل العيوني بعد مقتل الأمير العزيز، المعاهدة التي انشغلت بإدارة الخراج والمقاسم، والتجارة والبيوع، في لحظة اريد فيها كتابة نص السلام لإقليم فاضت به نصوص الحرب، بمثل ما فاض به الماء الذي يبلل السواحل بالنزاعات.

يحسب لرواية قلعة من رماد استنطاقها هذا الفصل المهم من تاريخ المنطقة، وإعادة كتابته ضمن الاشتراطات الفنية للصناعة الروائية، لترتفع بهذه الحكايات المتناثرة إلى مستوى الفعل الإبداعي، ضمن نص لا يريد الرهان على حتمية الموت والصراع، بل يجعل من صوت التاريخ مسموعا، وصداه واضحا، ليصبح ممكنا قياس المسافة بين الأمس واليوم، ولو في كثافة من خيال كان هو الرافعة الجمالية لهذا العمل.