الخميس 29 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

رأيته بعيني… هل نرى بأعيننا فقط؟

يعقوب السليسالخميس 29 أكتوبر 2026، 2:08 م
رأيته بعيني… هل نرى بأعيننا فقط؟

هل سمعتم عن قصة «فاطمة»؟!

لا، لسنا بصدد الحديث عن شخصية عربية أو إسلامية، بل عن بلدة برتغالية تحمل هذا الاسم العربي.

الحكاية كانت في خريف عام 1917، وبالتحديد يوم 13 أكتوبر، حيث المطر والوحل وعشرات الآلاف تجمعوا في بقعة ريفية قرب بلدة فاطمة في البرتغال.

لم يأتوا مصادفة. كانوا ينتظرون شيئًا قيل لهم مسبقًا إنه سيحدث في ذلك اليوم.

وفجأة توقف المطر.

ظهرت الشمس.

ارتفعت الرؤوس وأشرأبت الأعناق.

وفجأة صاح أحدهم:

«معجزة!»

ثم آخر. ثم آخر وآخر.

وبعد يومين نشرت صحيفة «أو سيكولو» تقريرًا للصحفي أفيلينو دي ألميدا، الذي كان حاضرًا. وصف قرص الشمس وحركة غريبة بدت له ولآخرين، وسجل ما تردد بين الحشود عن الشمس التي «رقصت».

لكن الأكثر إثارة كان ما حدث بعد ذلك.

بدأ الناس يسألون بعضهم:

«هل رأيت؟»

نعم.

«وماذا رأيت؟»

وهنا بدأت المشكلة.

بعضهم رأى الشمس تهتز وتدور.

بعضهم رآها تتلون.

آخرون قالوا إنها اندفعت نحو الأرض.

وبعضهم رأى صورًا دينية داخل قرصها.

كانوا في المكان نفسه، وفي اللحظة نفسها، وينظرون إلى السماء نفسها.

لكنهم لم يروا بالضرورة الشيء نفسه.

ومع ذلك يستطيع كل واحد منهم أن يقول بثقة:

«رأيته بعيني.»

نقولها عادة عندما نريد إنهاء النقاش، لا بدايته. فما دمت رأيت الشيء بعينيك، فماذا بقي للآخرين أن يقولوا؟

لكن ماذا يعني، في الحقيقة، أن «ترى»؟

نتعامل مع العين كما لو كانت كاميرا تلتقط المشهد وترسل نسخة منه إلى الدماغ.

لكن الرؤية أكثر تعقيدًا، مع أن حواسنا تعمل بكفاءة مذهلة في معظم حياتنا اليومية.

يصل الضوء إلى الشبكية، فتُحوّله إلى إشارات عصبية، ثم يبدأ الدماغ في معالجتها وتفسيرها وربطها بما نعرفه وبالسياق وبما نتوقع أن يكون أمامنا.

فنحن لا نرى بأعيننا وحدها.

نرى بأعيننا وأدمغتنا معًا.

وهنا يأتي أحد الاتجاهات المؤثرة في علم الإدراك الحديث: «المعالجة التنبؤية» «Predictive Processing».

وفق هذا التصور، لا ينتظر الدماغ المعلومات الحسية ثم يبدأ من الصفر؛ بل يبني توقعات لما يحتمل أن يكون أمامه، ويقارنها بما يأتيه من الحواس.

فإذا كانت الإشارة واضحة، صححت التوقع. أما عندما تكون غامضة أو ناقصة، يصبح للسياق والخبرة السابقة والتوقع وزن أكبر في الصورة التي ندركها.

ولهذا قد ينظر شخصان إلى المثير نفسه، ولا تكون تجربتهما الإدراكية متطابقة تمامًا.

انظر إلى الغيوم طويلًا، وقد تجد وجهًا. تأمل واجهة سيارة، فترى عينين وفمًا. حدق في تضاريس القمر، وقد تجد ملامح إنسان وكذلك الحال عند التركيز على نقش السجاد العجمي أو الرخام العماني.

ولهذه النزعة اسم: «الباريدوليا» «Pareidolia»، أي ميلنا إلى العثور على أنماط مألوفة، وخصوصًا الوجوه، في صور غامضة.

لكن اختلاف ما يراه الناس، أو ما يفهمونه مما يرونه، لا يقتصر على الوجوه التي نجدها في الغيوم.

في عام 2009، شهد حي الورّاق بالجيزة واقعة تطرح السؤال نفسه بصورة أكثر إثارة.

انتشر خبر ظهور العذراء فوق إحدى الكنائس. جاء الآلاف، مسلمون ومسيحيون، وارتفعت الرؤوس إلى السماء.

لكننا هذه المرة في عصر الهواتف والكاميرات والصحافة.

صحيفة «ديلي نيوز إيجيبت» تحدثت إلى شاهد قبطي قال إنه عرفها فورًا ورأى العذراء وسط الضوء.

ثم تحدثت إلى نادل مسلم كان هناك أيضًا.

هو الآخر رأى شيئًا.

لكنه لم يقل إنه رأى العذراء.

قال إنه رأى ضوءًا أبيض ساطعًا يظهر ويختفي، وإن الناس من حوله كانوا يهتفون بأنها العذراء.

شاهدان.

مكان واحد.

ظاهرة واحدة.

أحدهما رأى العذراء.

والآخر رأى ضوءًا.

فأيهما كان يقول الحقيقة؟

ربما كان كلاهما صادقًا فيما وصفه.

لأن السؤال ليس: من منهما كان يكذب؟

بل:

متى انتهى ما رأته العين، ومتى بدأ تفسير الدماغ لما رأته؟

لكن الحكاية لا تنتهي عند لحظة الرؤية.

حتى بعد أن نغادر المكان، لا تحفظ ذاكرتنا ما شاهدناه كما يحفظ الهاتف مقطع فيديو.

أظهرت عالمة النفس إليزابيث لوفتس في تجارب شهيرة أن طريقة السؤال عن حدث شاهدناه قد تؤثر في تذكرنا له. ففي إحدى تجارب حوادث السيارات، أدى اختلاف الكلمات المستخدمة في السؤال إلى اختلاف تقديرات المشاركين للسرعة، بل وإلى تذكر بعضهم لاحقًا تفاصيل لم تكن موجودة أصلًا.

أي أن لدينا مرحلتين تستحقان الحذر:

كيف أدركنا المشهد حين رأيناه، وكيف أعدنا بناءه حين تذكرناه.

وهذه الأسئلة ليست جديدة تمامًا.

ففي النصف الأول من القرن العشرين تناول الباحث البريطاني جورج تيريل شهادات الظهورات في كتابه «الظهورات»، متجاوزًا سؤال: هل الشاهد صادق أم كاذب؟ إلى سؤال آخر: ماذا يحدث داخل التجربة الإدراكية عندما يكون الإنسان مقتنعًا بأنه رأى شيئًا؟

وفي ثقافتنا العربية اقترب المفكر وعالم الاجتماع د. علي الوردي في كتابه «خوارق اللاشعور»، وتحديدًا في فصل «الإطار الفكري»، كيف تؤثر خلفياتنا النفسية والاجتماعية في الطريقة التي ننظر بها إلى الواقع ونفسره.

اختلفت الأزمنة والأدوات، لكن السؤال بقي:

إلى أي مدى نعرف فعلًا كيف تكونت تجربتنا؟

ولنعد إلى فاطمة، إلى ذلك اليوم الماطر من أكتوبر 1917.

عشرات الآلاف وقفوا في المكان نفسه، ورفعوا رؤوسهم نحو الشمس نفسها.

رأى بعضهم قرصًا يهتز ويدور.

رأى آخرون ألوانًا.

وقال آخرون إن الشمس اندفعت نحو الأرض.

فيما رأى بعضهم صورًا دينية.

لم تكن المشكلة أن هؤلاء جميعًا كانوا يكذبون.

المثير أنهم ربما كانوا صادقين.

وهنا تكمن المسافة التي كثيرًا ما ننساها:

صدق الشاهد، وصدق التجربة، وصحة تفسير التجربة… ليست شيئًا واحدًا.

«رأيته بعيني» ليست شهادة بلا قيمة.

العين لا تكذب علينا بالضرورة، لكنها أيضًا لا تخبرنا بالقصة كاملة.

فبين الضوء الذي يصل إلى الشبكية، والمشهد الذي نعيشه في وعينا، يوجد دماغ يفسر ويقارن ويتوقع. وبعد اللحظة تأتي الذاكرة لتعيد بناء ما حدث. وفوق ذلك كله يوجد السياق، والجماعة، وما قيل لنا قبل أن ننظر.

لعل المشكلة إذن ليست في عبارة «رأيته بعيني»، بل في النقطة التي نضعها بعدها.

نقولها وكأنها نهاية التحقيق:

«رأيته بعيني.»

انتهى.

بينما الأجدر أن نضع بعدها علامة استفهام:

«رأيته بعيني… فماذا رأيت؟»

أنا لا أشك في أنك رأيته. أنا أشك في أن رؤيتك وحدها تخبرنا ما الذي رأيته.

«رأيته بعيني.»

حسنًا.

أنا أصدقك.

والآن يبدأ السؤال.

على الهامش…

ورد في كتاب كليلة ودمنة لابن المقفع، أن بطة رأت ضوء كوكب منعكسًا على الماء، فظنته سمكة، وحاولت صيده مرارًا حتى أدركت خطأها.

وفي اليوم التالي رأت سمكة حقيقية، فظنتها مثل ضوء الأمس…

وتركتها.