الشيخ الصفار: الإسراف يرهق الأسر والتقتير يغذي النزاعات

قال الشيخ حسن الصفار: إن الإسراف في الإنفاق يدفع الأسر إلى الاستغراق في المظاهر الاستهلاكية، ويثقل كاهلها بالديون والأعباء المالية، مشددًا على ضرورة تحقيق التوازن بين الإنفاق والادخار، من خلال وضع ميزانية مدروسة تضمن حسن تدبير الموارد والحد من النزعة الاستهلاكية.
وفي المقابل، حذّر من التقتير والمبالغة في الاقتصاد، لما يخلفه من شعور بالحرمان والكبت، وما يترتب عليه من آثار سلبية على استقرار الأسرة وعلاقات أفرادها، قد تتطور إلى خلافات ونزاعات لا تنتهي.
جاء ذلك ضمن خطبة الجمعة في مسجد الرسالة بالقطيف شرقي السعودية بعنوان: الإنفاق بين الإسراف والتقتير.
وأوضح الشيخ الصفار أن التدين الحقيقي لا يقتصر على العقيدة والعبادات والشعائر، بل يمتد ليكون منهجًا متكاملًا في الحياة، ينعكس على سلوك الإنسان وطريقة إدارته لشؤونه، ومن ذلك تعامله مع المال والإنفاق، مشددًا على أهمية التوازن بين الإسراف والتقتير.
وتابع: إن القرآن الكريم يقدم في أواخر سورة الفرقان نموذجًا للشخصية الدينية المتكاملة، التي تتسم بالاعتدال في مختلف جوانب الحياة، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ .
وأضاف: إن الإنسان المتدين ينبغي أن يكون ساعيًا في طلب الرزق، مجدًّا في تحصيل الإمكانات المادية، ليؤمّن احتياجاته واحتياجات أسرته، ويكون قادرًا على مساعدة الآخرين، لا أن يلقي أعباءه على الناس.
واستشهد بما ورد عن رسول الله ﷺ: «مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ أَلْقَى كَلَّهُ عَلَى اَلنَّاسِ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ يَعُولُ».
ولفت إلى أن المنهج القرآني في التعامل مع المال يقوم على تجنب طرفي الإسراف والتقتير؛ فالإسراف هو تجاوز الحد المتعارف في الإنفاق بما لا يتناسب مع حاجة الإنسان ومستوى دخله، بينما التقتير هو التضييق في المعيشة والمبالغة في الاقتصاد والبخل على النفس والأهل.
وحذّر من الآثار السلبية للإسراف، مبينًا أنه يُدخل الإنسان في دوامة المظاهر الاستهلاكية والتنافس في اقتناء الكماليات، وقد يقوده إلى تراكم الديون والأعباء المالية، كما أن ترسيخ ثقافة الاستهلاك داخل الأسرة قد يهيئ أسباب الخلاف والنزاع نتيجة تضخم التوقعات والرغبات.
وأشار إلى أن التقتير يكرّس الشح والبخل، ويجعل الإنسان يعيش حالة من الحرمان والكبت، فضلًا عن انعكاساته السلبية على أفراد الأسرة ومشاعرهم تجاه الأب.
واستشهد بما ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا

: «يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى عِيَالِهِ كَيْلَا يَتَمَنَّوْا مَوْتَهُ».
واستحضر الصفار موقف أمير المؤمنين علي مع عاصم بن زياد، حين بلغه أنه يُقتّر على نفسه وأهله، فأنكر عليه ذلك، مبينًا أن الزهد لا يعني حرمان النفس والأهل من الطيبات التي أباحها الله، وأن ما اختص به الإمام من خشونة العيش كان التزامًا بمسؤولية القدوة والعدل ومواساة الفقراء.
وأكد أن الإنفاق ينبغي أن يتناسب مع الإمكانات والظروف المادية لكل إنسان، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ ، وبما ورد عن الإمام جعفر الصادق : «إِذَا جَادَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْكُمْ فَجُودُوا، وَإِذَا أَمْسَكَ عَنْكُمْ فَأَمْسِكُوا».
ونبّه إلى أن الإسراف والتقتير ليسا مجرد سلوكين فرديين، بل قد يتحولان إلى عادات وظواهر اجتماعية حين يتساهل المجتمع في التعامل معهما.
وتابع: إن المبالغة في الإنفاق والمظاهر الاستهلاكية قد تصبح ميدانًا للتنافس والتفاخر، بما يرهق الأسر محدودة الدخل ويدفعها إلى مجاراة أنماط معيشية تفوق إمكاناتها.
ودعا إلى عدم الانسياق وراء الإنفاق المبالغ فيه طلبًا للسمعة الاجتماعية، مستشهدًا بقول أمير المؤمنين علي : «أَلَا وإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّه تَبْذِيرٌ وإِسْرَافٌ، وهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَه فِي الدُّنْيَا، ويَضَعُه فِي الآخِرَةِ، ويُكْرِمُه فِي النَّاسِ ويُهِينُه عِنْدَ اللَّه».
وفي الجانب العملي، حث الشيخ الصفار على وضع ميزانية شهرية أو سنوية تساعد على تنظيم الموارد المالية وتحقيق التوازن بين الدخل والمصروفات.
واقترح قاعدة «50/30/20» التي يقترحها بعض الخبراء في التدبير المالي، بحيث تُخصص نسبة 50% للاحتياجات الأساسية كالسكن والغذاء والتعليم والفواتير، و 30% للكماليات والترفيه والرغبات، و 20% للادخار والاستعداد للمستقبل والطوارئ، مع إمكانية تعديل هذه النسب وفقًا للظروف والإمكانات.
وشدد على أهمية التوعية المالية داخل الأسرة، وإشراك أفرادها في القرارات المتعلقة بالإنفاق، وتربيتهم على ثقافة التدبير والاعتدال.
وتابع: إن هذه التربية تعزز الاستقرار الأسري وتحمي المجتمع من ثقافة الإسراف والاستهلاك، وتجعل التعامل مع المال مظهرًا من مظاهر الوعي والتدين.



