صمت البحر..


العنوان من الرواية الأم.. وأرجو أن أوفّق في التشبيه.
في بداية قراءتي الروائية شاءت الأقدار أن أقرأ تلك الرواية القصيرة بعنوان «صمت البحر». وهو عنوان فلسفي يجعلك بشكل لا إرادي تبحر في الخيال وتتساءل: كيف للبحر أن يصمت؟! فالصمت هنا مخيف، ومخالف لقوانين الطبيعة والحياة. نحن منذ أن ولدنا نعيش على أمواجه الهادرة وعلى زرقته وسحر جماله. فكيف له أن يصمت؟! كانت تلك الرواية التي قرأتها في مرحلة الدراسة المتوسطة بداية للتأويل في بلاغة الاختزال وكيف للعنوان أن يختزل النص. وكيف له أن يبحر بك في عباب البحر والكواكب المضيئة ترافقك إلى حيث تشاء.
هكذا ساد الصمت في البيت وفي الشارع وفي المدينة.. وكما تذكّر الوالد الشاعر الماغوط حين عبر عن وحشته وغربته وضياعه.. صمت رغم هدير الموج، البحر الكبير العميق يسدل على نفسه الستار وآن لشهرزاد أن تعطّل لغة الكلام.
«صمت البحر» نقلت الحالة الاجتماعية للصمت الذي ساد كل منزل وكل شارع في فرنسا بعد سقوط باريس عام 1940 م. والآن وأنا أستحضر تلك الرواية أتساءل: هل يمكن للبحر أن يصمت وأن تغادرنا لغة الكلام؟! فالصمت نوعان، الصمت المطلق والصمت الآني.. الصمت الإيجابي وصمت القبور.. الصمت الذي يسبق العاصفة والصمت الذي أخمد العاصفة.. هكذا كان محمد العلي... جمع الألوان كلها وأورد سفحها وراح يوقظ النوم في أعين الضرير والبصير معًا. إنه باعث الألوان والأزهار في القلوب.
وجّهت الساحة الأدبية، في محافل عديدة، إلى الأديب محمد العلي ذلك السؤال الذي بقي دون إجابة إلى حين رحيله. ارتأى أن يتقمص ما فعلته فرنسا في طرد المحتل وأن يحوّل البحر إلى جسد هامد دون حراك يقوده إلى الصمت الذي ينبع منه الموقف، والذي يتجاوز اللغة..
صمت البحر يؤازره صمت القلم. فالقلم هذا يسيل حبره في معظم الأحيان دون إرادة، يقاد إلى مصيره دون أن يسأل! تحفه المغريات. وآخر سئم وأصيب بالهرم. أما هذا الذي لاحق العلي حيث ذهب لم يكن ليجعله يحظى بسكينة الصمت أحيانًا. كان يريد منه الاستمرار حتى آخر مقال كتبه قبل رحيله ببضعة أسابيع. كان الوطن والناس فيه هم أرقه الأزلي.. كيف يوغل الجذور في تربة الأرض، كيف يخلق من كل فرد نخلة باسقة.. كيف وكيف؟!
في مشهد لأرسطو، يسأله أحد تلامذته: لماذا يلاحقونك، ويريدون تصفية جسدك دون حق؟! رد عليه أرسطو بسخرية... وهل انتظرت أن يريدوا قتلي على حق؟!
الصمت، هذا السلاح الذي لا يجيده البعض، هو اللغة التي أجادها وبرع فيها محمد العلي. ومن نافل القول أن نعلم أن في كل ما كتب وقدم من نشاط فكري وأدبي كان يترك نافذة صغيرة أو سؤالًا فلسفيًا بكلمتين أو أكثر قليلا يختم به الكلام المباح حيث يبحر بالقارئ إلى حيث تخفي اللغة بين السطور، إلى الإيحاء أو التأويل النشط.
في أحد الأيام دخل العلي أحد دور النشر ليبحث كما جرت العادة عن ضالته في دواوين الشعر والأدب. فوقعت عيناه على كتاب سمين بعنوان «التكامل النقدي العربي». اشترى الكتاب وذهب إلى المنزل فرحا بما اصطاد، وأراد أن يستفرد بمتعة قراءته، ففتح الصفحة الأولى خلف الغطاء، وهو الذي ما فتئ يرى النقد من مقومات النضج الفكري والشعري والعطاء الأدبي ويقدس الناقد الذي له أن يضيف للقصيدة محتوى التجديد والإبداع. المفاجأة كانت كما لمح البصر، خيبة الأمل عندما نظر فإذا به يتحدث عن البنوك وإدارة النقود فيها وإدارة الأموال وما إلى ذلك. وهنا حلّ الصمت من جديد... لماذا تلاحقون ما بقي لنا من اللغة؟ الأموال هي «نقد»؟! ومن يرتاد البنك هو «عميل»؟! لماذا لا تسمون الأشياء بمسمياتها؟ ما هذا اللغط اللغوي؟!
وجّه سؤالًا في احتفال يضم بعض الأطفال إلى أحدهم: ماذا تود أن تكون عندما تكبر؟ السؤال كما تعودنا في مداعبة الأطفال ويثار في كل بيت، الإجابة كانت صادمة وغير متوقعة إطلاقا، قال الطفل: لا أود أن أكبر! العلي أثار السؤال، ولكن بشكل مختلف وكأنه كان يرى هذا المشهد الذي ظهر في أحد البرامج الضاحكة. ذكر أن في أحد أزقة الجزائر تحدث أحد جنود الاحتلال الفرنسيين إلى لفيف من الأطفال، بدأ حديثه وهو يستذكر طفولته قال: «عندما كنت طفلًا...» أوقفه أحد الأطفال في اللحظة ذاتها، قال: سيدي، هل كنت طفلًا؟!
في اعتقادي أن الصمت والخيال شقيقان. هما وسيلتان فعالتان للهروب تحت النيران غير الصديقة. الصمت كما هو يحيل الأشياء إلى التأويل، والخيال يحيلها إلى الإيحاء. تكاد مقالات وأطروحات العلي كلها ألّا تخلو من الخيال البديل. فاستخدام الخيال ينقل القارئ إلى حيث المجهول وهنا تتناسل الأسئلة التي كانت من اختصاص العلي. مثلما يستخدم العالِم القوانين في الوصول إلى النظريات، يصل المفكر والأديب بالخيال إلى تصوير الواقع وكيفية الانتقال منه إلى واقع أكثر نضجًا وحداثةً وتطلعًا.
هل تستطيع أنت وأنا أيضًا أن نحول الصمت دوما إلى إيجاب؟ أعتقد أن من يقرأ محمد العلي يرى أن هذا التجلي في فن الصمت بداية نحو واقع أكثر إرادة وأكثر إضاءة، وحريةً، وأكثر إيجابيةً وازدهارًا. وإذا، هل نحن على وفاق أن البحر لا يجيد الصمت؟



