الإثنين 2 نوفمبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

المثقف العربي والمجتمع

محمد المحفوظالإثنين 2 نوفمبر 2026، 1:58 م
المثقف العربي والمجتمع

«المجتمع الذي يصهر الأديب أو الفنان، هو أسوأ أنواع المجتمعات» «جون بول سارتر».

هل يكفي أن تكون الثقافة خلاقة ومبدعة، وذات فاعلية دائمة، حتى يتحول المجتمع الذي نعيش فيه هذه الثقافة، إلى مجتمع خلاق ومبدع.. أم أننا إزاء مسألة تاريخية عميقة، تحتاج إلى توافر مجموعة من الشروط والعناصر، التي تنتمي إلى الفضاء التاريخي والحضاري.

وكما يبدو من تاريخ الجماعات البشرية، أن فاعليتها وديناميتها ليست مرهونة، بوجود ثقافة مبدعة بين ظهرانيها.. وإنما لا بد من إسناد عنصر الثقافة بعوامل أخرى اجتماعية - تاريخية حتى تفعل هذه الثقافة فعلها في المجتمع.. ويمكن إيجاز هذه العوامل الاجتماعية - التاريخية، بمقولة التفاعل والتعاون بين الثقافة بعناصرها المختلفة، ومتطلباتها الذاتية، وبين المجتمع وحاجاته الموضوعية.. إذ إن تفاعل المجتمع مع الثقافة والمثقفين، هو الذي يخلق أنماطًا متميزة من الوعي والسلوك ومنظومات قيم وقواعد اجتماعية وعقلية تدفع بالمجتمع ككيان قدمًا نحو ولوج آفاق البناء والتطور.

ولا نقصد بالتفاعل هنا بين الثقافة والمجتمع المتابعة المستمرة للمناشط الثقافية التي تجري في داخل المجتمع.. وإنما نقصد بالتفاعل وجود حالة مماثلة وانسجام تام بين تطلعات الثقافة وحركة المجتمع بحيث إن تكوين الحركة الاجتماعية في اتجاهاتها المختلفة يصب في قناة تطوير الثقافة والمجتمع بما يؤهل الأخير، أن يكون مجتمعًا حضاريًا وتاريخيًا.. وحينما تتحول الثقافة إلى نسق ثقافي - اجتماعي، يمارس دوره، ويبلور مقاصد الناس، حينذاك نستطيع القول إن عوامل التفاعل بين الثقافة والمجتمع، قد توفرت وتحققت على المستوى العملي.. وحين تحدد الثقافة، كما يقول المفكر العربي برهان غليون، لدى هذه الجماعة أسلوب استخدامها لإمكانياتها البشرية والمادية ونوعية استهلاكها لبيئتها، ويكون نجاح الثقافة وتطورها بقدر فاعليتها في تحقيق الاستخدام الأمثل لإمكانات الجماعة. وبهذا لا تكون الثقافة مجرد النتاج الفكري أو النظري، الذي يقوم به المثقف، أو ينتجه على شكل مقالات ودراسات وكتابات، بل هي كائن حي وسيرورة تاريخية واجتماعية.. فالثقافة هي بمثابة الشجرة ذات الكينونة الحية المبدعة، التي لا تتوقف عن إنتاج الثمار لصاحبها، ويصل التفاعل ذروته حينما تكون الثقافة هي المجتمع، والمجتمع هو الثقافة.. ويشير إلى هذه المسألة «غليون» بقوله: ليست الثقافة في الحقيقة إلا المجتمع نفسه وقد أصبح مظهرًا للوعي أو وعيًا. وهذا الوعي هو في الوقت ذاته وعي للذات، بقدر ما هو وعي لأجزائها ومظاهرها المختلفة السياسية والاقتصادية.. والتطور المدني الذي يحدث في المجتمع سواء على مستوى العلاقات الاجتماعية، أو نوعية إرضاء الحاجات، هو ثمرة الثقافة في المجتمع، ولكنها ليست ثمرة تلقائية لها.. وإنما الثقافة تفتح آفاق مصالحة المجتمع مع نفسه، ومع عصره، مما يؤسس أسباب تطور المدنية في المجتمع.. باعتبار أن التطور المادي والمدني، هو في حقيقته نتاج المنظومة العقدية والثقافية والتاريخية لأي مجتمع.

فالمجتمع الذي يبني ويوجه في حقول السياسة والاجتماع والاقتصاد ضد منظومته العقدية وذاته الحضارية، لن يجني من هذا التوجيه إلا المزيد من التأخر وبعثرة الطاقات والجهود.. بينما المجتمع الذي يتصالح مع ذاته ويتناغم في حركته وأعماله مع منظومته العقدية، يبدأ بشق طريق التقدم، ويمتشق جواد التطور والبناء المتواصل ولذلك فإن انتشار الثقافة لا يتحقق خارج إطار الزمان والمكان ولا بمعزل عن أبناء المجتمع، وإنما لا بد من وجود مثاقفة ومفاعلة، حتى تؤتي الثقافة ثمارها على الصعيد العام.

وحينما يبدأ الكيان الاجتماعي بالتخلي عن ثقافته الذاتية، وهي المعادل الموضوعي لهويته وحضارته.. حينذاك يتحول المجتمع إلى ورقة في مهب الريح، والركض واللهاث وراء كل بدعة وموضة واعتبارها هي أساس الحل، ووسيلة المدنية والتحضر.

لهذا فإن الحفاظ على الثقافة برموزها ومفاهيمها الكلية وآفاقها العملية مسألة ضرورية لموازنة الأمور، والاستفادة من الخبرة التاريخية، وتنقية الوافد الجديد من شوائبه، وإدماجه مع العناصر المحلية والذاتية للثقافة.

ويكفي أن نراقب الدول والشعوب التي أضعفت منابع ثقافتها الذاتية، وعطلت إمكاناتها على أساس إعطاء فرص التحديث دورها في نمو المجتمع وتحضره.. علينا أن ننظر ونرى أن هذه العملية لم تنتج إلا المزيد من تجفيف إمكانات الذات وسبل المقاومة المتوفرة فيها تجاه الوافد السيئ.. ولهذا نرى أن مهمة المثقف تجاه مجتمعه ومحيطه تتجسد في ضرورة أن يقوم المثقف بواجباته والتزاماته المعرفية والاجتماعية، وتنسيق جهود ونشاطات بقية الفئات والشرائح الاجتماعية، بحيث تصب جميعًا في دائرة تطوير البناء الحضاري للمجتمع.

ويشير إلى هذه المسألة الفيلسوف «ليبنتز «1646 - 1716 م»» ويشبهها بمجموعة موسيقية.

فيقول: إننا لو فرّقنا بين عازفي السيمفونية، بحيث وضعنا كلا منهم في غرفة وحده، ومعه النوتة التي يعزف وفقًا لها، فالضارب على البيانو في غرفة والعازف على الكمان في غرفة وهكذا، لتكونت من عزفهم السيمفونية كاملة. ولكن ضعهم معًا ولكل منهم نوتة تختلف عما عند زميله فلن يصدر منهم إلا الخليط والفوضى، وليست مهمة المايسترو إلا في التوقيت فالمثقف العربي مطلوب منه اليوم أن يجسر الفجوة التي تفصله عن مجتمعه، حتى يتسنى له بعد ذلك القيام بدوره المعرفي تجاه مجتمعه ومحيطه حتى يتمكن المثقف من أداء دوره تجاه مجتمعه، ومن الضروري أن يحمل المثقف رسالة اجتماعية يبشّر بها، ويسعى نحو تعميمها في الوسط الاجتماعي.. ويوضح محمد إقبال الفرق بين المثقف ذي الرسالة الاجتماعية والذي يسعى نحو تعميم العلم والمعرفة، والمثقف المنعزل الذي حصر العلم بنفسه فقط، ويقول: إن هذا يبين الفرق بين من آمن بفكرة فآلى على نفسه أن ينشرها في الناس ليعم نعيمها ومن آمن بفكرة فقصرها على نفسه لينعم بها، ولا عليه بعد ذلك أن يشرك معه الناس في تعميمها.. فعلى عواتق الرجال من الصنف الأول يقع عبء تغيير الحياة وتطويرها نحو الأكمل.. وأما الصنف الثاني فيحيون حياة ويموتون كما يظهر الظل ويختفي.

وهكذا من الضروري أن يتفاعل المثقف مع مجتمعه لأن هذا التفاعل هو الذي يؤسس العوامل الكفيلة بتوليد المعارف والثقافات التي ترفع من شأن المجتمع، وتفتح له الآفاق وتبلورها.. وأنه كلما توفرت حقائق الثقافة والمعرفة على مستوى الشارع، كان هذا عاملًا أساسيًا في تطور المجتمع ورقيه الحضاري، وأن التفاعل بين المثقف والمجتمع يبدأ بتفاعل الشعور بين أبناء المجتمع والمثقف، ومن ثم يبدأ الجميع بترجمة هذا الشعور ضمن أطر وأوعية متعددة، تؤدي إلى المزيد من التلاحم القلبي والشعوري والعملي بين المثقف والمجتمع.

وأخيرًا نقول: إن حقائق العصر تؤكد أن تفاعل المثقف والمجتمع لا يتم بين عشية وضحاها، وإنما هو يُبنى بناءً، ويبدأ من الدوائر الصغيرة في المجتمع وصولًا إلى الدوائر الكبيرة.. لأن الثقافة كائن حي، يتطور باستمرار ويتكيف بشكل إيجابي مع التطورات والمتغيرات الجديدة.