إدارة الاختلاف بين المثقفين


لماذا يتعثر الحوار بين المثقفين؟
يقول الإمام علي

: «الخلاف يهدم الرأي».
يمثل الحوار بين المثقفين أحد أهم الركائز الأساسية لتطور الفكر وتجدد المعرفة، فالأفكار لا تنضج في العزلة، وإنما تتطور من خلال الاحتكاك النقدي، واختبار الفرضيات، ومراجعة الأطروحات، والانفتاح على وجهات النظر المختلفة.
لهذا تتزايد أهمية معرفة إدارة الاختلاف بين المثقفين، ليس لمجرد التعرف النظري على ثقافة الاختلاف في الآراء أو تضارب التوجهات الفكرية فحسب، بل هي جانب مهم في إدارة المعرفة، وفهم الاختلاف، والتعامل مع الحقائق العلمية، وحدود الذات الفكرية.
فالمثقف الذي يمتلك المعرفة ليس بالضرورة قادراً على الحوار، والمثقف الذي يجيد النقد ليس بالضرورة متقبلاً للنقد، ومن يؤمن بالنظرية العلمية ليس بالضرورة مستعداً لمراجعتها عندما تظهر أدلة تناقضها.
وهنا تظهر مفارقة تستحق تأملها؛ فقد يتحدث المثقف عن آفاق التفكير المتعدد، لكنه يضيق بالرأي المخالف، وقد يدافع عن العقلانية، لكنه يتعامل مع أفكاره بعاطفة دفاعية، وقد يدعو إلى المنهج العلمي، لكنه يتمسك بفرضياته وكأنها حقائق نهائية لا تقبل المراجعة.
فالمشكلة الجوهرية ليست أن يختلف المثقفون، بل أن يتحول الاختلاف من وسيلة لإنتاج المعرفة إلى وسيلة لحماية الهوية الفكرية والانتصار للذات.
فمن منظور عقلي، ينبغي ألا نكتفي بالدعوة الأخلاقية إلى التسامح في الحوار، بل نحتاج إلى بناء منظومة عملية لإدارة الاختلاف، ووضع قواعد للحوار، تؤسس لمعايير مشتركة لتقييم الأفكار، وتقيس مدى التحسن في ثقافة الاختلاف بين المثقفين.
فما أن يؤمن المثقف بفرضية علمية، أو تيار، أو مدرسة، أو مفكر، حتى يصبح نقد الفكرة في نظره اعتداءً على مشروعه الفكري أو انتمائه، وهنا تتقدم حماية الهوية على البحث عن الحقيقة.
وتارة يطرح المثقف فرضية قابلة للاختبار، ثم يتحول مع مرور الوقت إلى مدافع عنها، فيفسر الأدلة المؤيدة لها باعتبارها إثباتاً، ويستبعد الأدلة المخالفة أو يقلل من شأنها.
وأحياناً يحدث خلط عند بعض المثقفين بين نقد الفكرة والحكم على صاحبها، فبدلاً من مناقشة الحجة، يُصنَّف صاحبها باعتباره متخلفاً أو متعصباً أو سطحياً، وبهذا تنتقل المناقشة من مستوى البرهان إلى مستوى التشكيك في الأشخاص.
والصحيح أن المعيار الفاصل في الاختلاف بين المثقفين هو قابلية الموقف للمراجعة أمام الدليل، لا مجرد شدة الدفاع عنه.
فالتعصب لا يقتصر على فرد ما يمثل اتجاهًا دون آخر، فقد يظهر لدى المحافظ والحداثي، والمتدين والعلماني، وصاحب المنهج التجريبي وصاحب المنهج التأويلي، ولذلك فإن معالجة تعثر الحوار بين المثقفين يجب أن تنصبّ على سلوك المثقف وقواعده في الحوار، لا على الاتجاه الفكري للمثقف.
وفي استطلاع لصحيفة عكاظ بعنوان «النخب يضيقون بالحوار ويكرسون ثقافة الBlock»، تكشف آراء المشاركين عن فجوة بين ثقافة الحوار التي يتبناها المثقف نظريًا، وممارسته الفعلية عند الاختلاف، وتتلخص أهم النتائج في وجود ضعف في تقبّل الرأي المخالف والإقصاء بدل الحوار.
فعلى المثقف أن يدرك أنه ليس المطلوب أن يقحم ذاته في صراع من أجل قناعاته، بل يعي أن الدفاع والتمسك بهذه القناعات لا تكفي وحدها لإثبات صحة كل أفكاره، وإنما عليه أن يراجع وينظر في البرهان والدليل الأمثل.
وفي البيئات الثقافية، يُنظر إلى التراجع عن الرأي باعتباره ضعفاً، بينما يُنظر إلى الثبات عليه باعتباره قوة، حتى عندما تتغير الأدلة. وهذه الثقافة تنتج مثقفاً يخشى مراجعة نفسه أمام الآخرين، ويعتبر كل تنازل معرفي خسارة رمزية، والتصحيح المنطقي هو تحويل مراجعة الموقف من علامة ضعف إلى علامة على نضج علمي.
وهنا تتأكد ضرورة تطوير مهارات الحوار النقدي لدى المثقف حتى يكتسب مهارات تمكنه من إدارة الخلاف. ومن الكتب التي قد ترفع من لياقة الحوار لدى المثقفين كتاب «الحوار أفقًا للفكر» للكاتب طه عبد الرحمن، يتناول الحوار بوصفه أفقاً للتفكير وبناء المعرفة، وكتاب «حوار لا مواجهة» للكاتب أحمد كمال أبو المجد، يعالج ثقافة الحوار بدلاً من الصدام، وكتاب «من أدب الاختلاف إلى نبذ الخلاف» للكاتب طه جابر العلواني، يتناول آداب الاختلاف والحوار والخلاف الفكري من منظور تأصيلي.
وليس كل اختلاف مؤشرًا على وجود طرف مخطئ، فقد يختلف مثقفان لأن أحدهما يعتمد على التحليل، والآخر على الاستدلال العقلي، وثالث على المنهج التجريبي، ورابع على التأويل النصي، لذلك ليس كل اختلاف بينهم ينتج أزمة حوار، فقد يكون اختلافاً في المنهج المستخدم، أو طريقة الاستدلال، وإدراك المثقف لهذا الاختلاف المنهجي يقلل من حدة الخلاف في الرأي. وتُنسب إلى فولتير عبارة شهيرة معناها «قد أختلف معك في الرأي، لكنني أدافع عن حقك في التعبير عنه»، ويُنسب إلى سقراط قول «اعرف نفسك»، أما تتمة العبارة «وافحص أفكارك قبل إصدار الأحكام» فتحتاج إلى توثيق.
فمن المهم في الحوار بين المثقفين تحديد المنهج الذي تُناقش القضية في إطاره، ومدى صلاحية ذلك المنهج للإجابة عن السؤال المطروح.
وفي الغالب يفقد الاختلاف وظيفته المعرفية بين المثقفين، ويتحول إلى صراع بين الهويات الفكرية، أو منافسة على المكانة الثقافية، أو محاولة لإثبات خطأ الآخر بصرف النظر عن قوة الحجة والبرهان.
لذلك فإن الهدف ليس إيجاد مثقف متسامح فحسب، بل مثقف يجيد ثقافة الاختلاف ومهارته، وقادر على ممارسة النقد دون عداء، والدفاع عن قناعاته دون تعصب، ومراجعة أفكاره، واحترام مخالفه دون أن يتنازل عن معاييره العلمية.
فالبيئة الصحية للحوار بين المثقفين هي التي يكون فيها الاختلاف الفكري وسيلةً لتطوير المعرفة، لا سببًا للخصومة، ويكون فيها الحوار قائمًا على احترام العقول لا على الانتصار للأشخاص.
بيئة تسود فيها ثقافة لا تقدّس الأفكار، وإنما ثقافة تمنح الفكرة حقها في النقد، والحقيقة حقها في أن تظل أسمى من انتماءاتنا وقناعاتنا الفكرية.



