حين تستوطن المواقف في الوجدان


ورد عن الإمام العسكري

: ”أَقَلُّ النَّاسِ رَاحَةً الحَقُودُ“ [بحار الأنوار، ج 75، ص 373].
هل يمكن لأحكامنا على الآخرين وتحديد أطر شخصياتهم وصفاتهم أن تصيب، من خلال الحكم الأولي والسريع على مظاهرهم الخارجية؟
الحقيقة أنه من الحكمة ألا نحكم على الآخرين من مظهرهم لئلا نقع في خطأ كبير؛ فالمظهر الخارجي لا يعكس حقيقة دواخل الإنسان، وما يدور في عقله ونفسه من آلام أو معارك محتدمة بسبب الضغوط الحياتية.
ولامتلاك بعضهم القيم والآداب الاجتماعية التي تحث على إشاعة الأجواء الإيجابية والبعد عن تجهم الوجه قبل انقباض النفس، فإن حرصهم على إظهار الابتسامة والارتياح النفسي قد يقودنا نحو تقييم خاطئ؛ فقد يكون أكثر الناس ابتساماً - بما يشي عن واقع ظاهري ملؤه الانبساط - من أكثرهم حاجة إلى كلمة رحيمة تخفف عنه أعباء وهموم الحياة وما يمر به من ضغوطات. وفي المقابل، قد يكون الشخص الذي يبدو شديداً أو صامتاً إنساناً يخوض في داخله معركة لا يعرفها أحد، تؤرقه وتشغل فكره وباله.
قواعد عريضة في العلاقات الإنسانية.
لذلك، من القواعد العريضة في العلاقات الإنسانية أن نعي بأن الآخرين يمرون بظروف ومشاكل لا يحبذون الإسرار بها وإظهارها أمام الملأ؛ لذا فإنهم لا يسمحون لنا إلا برؤية جزء بسيط من يومياتهم، ويحتفظون بجزء كبير يبقى بعيداً عن الهمس والأعين.
إن تقدير ظروف الآخر والتعامل معه بمبدأ الرحمة واللطف يمنحنا مكانة اجتماعية رائعة وجذابة. فقد نتفوه بكلمة لطيفة قد لا تحل المشكلة بذاتها أو لا تكون في صلب موضوعها، لكنها قد تمنح إنساناً لحظة استقرار وأمان اجتماعي هو بأمسّ الحاجة إليها ويتوق إليها بشدة. هذا النضج العقلي والإنساني يدفعنا نحو احترام الآخرين في خصوصياتهم، ومشاعرهم، وتطلعاتهم، وما يعانون منه من آلام وأزمات لا ينبغي التقليل من وقعها الثقيل بسبب اختلاف وجهة نظرنا إلى واقعهم؛ فالتشافي والتعافي وتجاوز المحطات الصعبة لا يحدث فجأة، بل يحتاج إلى بعض الوقت.
أسرار الذاكرة المعقدة:
قد يغادر الإنسان المكان الذي شهد جرحه والموقف المسيء الذي احتفر في ذاكرته، ونظرة سريعة إلى المشهد تظهر أن الوجوه تتبدل والظروف تتغير، وربما تمضي سنوات طويلة على الحادثة ومع ذلك يبقى شيء في أعماقه متعلقاً بتلك اللحظة، كأن الزمن توقف عندها وعقارب الساعة لا تتحرك، وكأن الحدث لم ينتهِ بعد.
وهنا تكمن إحدى أعقد مشكلات النفس الإنسانية؛ إذ تنتهي الحادثة في الواقع، لكنها تظل حية في الذاكرة والوجدان وباقية بكل تفاصيلها. والمهم أن الإنسان لا يتألم دائماً مما وقع له فحسب، بل قد يتألم أيضاً من الطريقة التي أعاد بها قراءة ما وقع ”طريقة تفسيره للموقف“، ومن المعاني التي ظل يستحضرها، ومن الحوارات الداخلية التي لم تتوقف ولا تغادر مخيلته رغم انتهاء الموقف.
فقد يتحول موقف عابر إلى ذاكرة مثقلة بتفاصيل سوداوية، وكلمة قاسية لا تختفي بل تبقى جرحاً متجدداً، وخصومة منتهية إلى حالة مستمرة من المشاعر السلبية والعداء النفسي.



