الثلاثاء 3 نوفمبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

المثقف العربي والإبداع

محمد المحفوظالثلاثاء 3 نوفمبر 2026، 1:07 م
المثقف العربي والإبداع

الثقافة العربية الإسلامية، في جوهرها، هي تجسيد الوعي بضرورة صنع الحاضر، وفقًا للاختيارات الفكرية الكبرى، التي تتناغم وروح تلك الثقافة وجوها العقدي والحضاري.. والمثقف الحق هو الذي يتمكن من تحقيق مقولات الوعي في الواقع الخارجي. وحتى يتمكن المثقف من تحقيق هذه المسألة، من الضروري أن يكون مبدعًا وخلاقًا لكي يستمر عطاؤه الثقافي وصولًا إلى صنع الحاضر وفق متطلبات الوعي واختياراته.

والمثقف المبدع هو الذي يبقى قلقه الفكري والثقافي مفتوحًا لمواصلة البحث والحفر المعرفي والمراجعة والتطوير، بحثًا عن صيغ وأطر جديدة للارتقاء بمستوى المعرفة والثقافة إلى الأمام.

وهكذا يصبح القلق الثقافي شرط الإبداع ووسيلته في آن واحد، ويصبح الأداة الأمينة للانتقال من وضع ثقافي إلى آخر أرقى وأعمق. فالقلق الثقافي وحضور غايات الثقافة وأهدافها في شخص المثقف وعطائه هو البداية الأساسية لتشكيل المناخ الملائم للإبداع الثقافي والفني والأدبي.

فالإبداع على المستوى الثقافي ليس صدفة، ولا بعيدًا عن نواميس وقوانين الثقافة في المجتمع، بل هو ثمرة تطور طويل وتراكم تاريخي - ثقافي يؤدي أو يُتوَّج بعملية الإبداع على الصعيد الثقافي.

فالقلق الثقافي، الذي يعني الحضور المستمر للهم والتطلعات الثقافية والعقلية، كان هو القاسم المشترك بين جميع المبدعين وأصحاب العطاءات الثقافية المتميزة. والإبداع، بوصفه تطلعًا يسعى إليه أي مثقف أو فنان، مرتبط بمجموعة من العوامل الموضوعية والذاتية معًا. وهذه العوامل تتكون وتتراكم تبعًا لشروط وخصائص ذاتية.. ويبقى لإرادة المثقف وكفاحه المعرفي والثقافي الدور الأساسي في تذليل العقبات التي تحول دون الإبداع الثقافي. وما نريد أن نؤكد عليه في هذه الحالة هو مسألة الوعي؛ فالمزيد من الوعي وحضوره الدائم في حياة المثقف هو الكفيل بتحقيق إبداعات ثقافية وأدبية.

والوعي هنا ليس وصفة طبية نأخذها أو عملًا كميًا نقوم به أو قراءة لمجموعة من الكتب والدراسات الثقافية والأدبية، إنه استيعاب تام للحالة الشاملة التي يعيشها المثقف ويتطلع إليها، استيعاب لا يؤدي إلى التفاؤل الكاذب أو التشاؤم الذي يشل التفكير ويمنع الإرادة من فعلها.. إن هذا الوعي الذي ينطلق من حالة موازنة دقيقة ورشيدة بين التطلع والممكن والواقع المفروض، هو الذي يحقق للمثقف أو الأديب القفزة النوعية في عطائه وإنتاجه، كما أن هذا الوعي يحقق للثقافة المزيد من الانتشار والتوسع وكسب الأنصار على المستوى المجتمعي. والوعي، كما يبدو، ليس مطلبًا سهلًا يمكن تحقيقه بين يوم وآخر أو ليلة وضحاها.. إنه القراءة المستمرة للواقع بكلياته وتفاصيله، بأحداثه وتطلعاته، برجاله ومؤسساته، بكوابحه وآفاقه.

لهذا فإن إبداع المثقف العربي مرتبط بشكل أساسي بطبيعة علاقته بواقعه، والظروف التاريخية التي يمر بها. فإذا كانت لا تربطه بواقعه أية علاقة ثقافية وعقلية، فإنه لن يتمكن من الإبداع، لأن النواة الأولى للإبداع هي التفاعل الإيجابي بين المثقف وواقعه، وهذه العلاقة تنتج معالجات وإبداعات تنسجم مع اللحظة التاريخية. فتفاعل المثقف مع الواقع لا يعني الخضوع إلى معوقاته أو الدخول في نفق ليس بالإمكان أبدع مما كان.. إن التفاعل يعني تهيئة الشروط النفسية والعقلية لاستلهام الأعمال الأدبية والثقافية من الواقع، التي يقوم بها الأديب أو المثقف.. إن الواقع بمثابة التيار الكهربائي العاري، يلدغ ذلك المرء الذي لم يأخذ في حسبانه عمليات السلامة، ومتطلبات الاحتراز من السلك الكهربائي.

إن الأرض الخصبة التي تؤهل الأديب أو الفنان لعمليات الإنتاج الأدبي أو الثقافي المبدع هي التي تتشكل من جراء التفاعل الرشيد بين المثقف والواقع، لا لكي يُخضع المثقف مقاييسه ومعاييره المعرفية للواقع، وإنما لكي يكون إنتاج المثقف ذا جدوى وفائدة عملية على صعيد الواقع.

فابتعاد المثقف عن عصره وواقعه يؤدي إلى تكثيف العناصر الكابحة في ذهن المثقف وواقعه، المانعة لعمليات التجديد والإبداع.

إن الانعزال عن العصر والمجتمع يؤدي إلى توهج الذكريات، وتهيمن إنجازات ومكاسب ماضي المثقف على حاضره، وتجره بشكل ميكانيكي إلى القبول بالأمر الواقع والعيش على إنجازات الماضي أو الآخرين.

إن بذرة الإبداع تنمو في حياة المثقف حينما يبدأ المثقف، وفق منهجية مدروسة وواعية، بالتفاعل مع قضايا عصره وعلومه. ويبدأ هذا التفاعل بنقد الواقع معرفيًا وفنيًا، ثم يبدأ المثقف بتوليد المعرفة الجديدة المبدعة.

فالمثقف المبدع ينشر الجديد دائمًا، ويقدمه فنًا أو أدبًا أو علمًا، ولكنه فيما يقدم من إبداع وصناعة لا يمكن أن يخرج كليًا عن مستوى التقدم الذي بلغه مجتمعه بوجه عام، ومقدار تمثُّل الفرد للإبداعات السابقة، والإفادة منها بشكل خاص.. أي أنه محكوم نسبيًا بمعطيات الوجود، وقفزته نحو المستقبل أو المجهول محكومة المدى بمعطيات الماضي والحاضر، ولكنها محمولة على أجنحة إمكاناته وقدراته وإرادته وقدرته على التخييل لتتوغل في المستقبل، وترتاد المجهول، لعلها تحمل منها غمرًا وأريجًا وشعاعًا، ينير للسالكين طريقهم وموضع خطوهم على تلك الطريق.. ”والمبدع في انشداده بين الماضي السحيق، والمستقبل البعيد يكشف عن وعي منه أو عن غير وعي، مسيرة الإنسانية، ويصدق فيه قول إليوت «فهو أكثر بدائية كما هو أكثر تمدنًا من معاصريه».“ «مشكلات الثقافة العربية - علي عقلة عرسان - ص 68».

فالإبداع ليس وليد الفراغ، وإنما هو حصيلة الخبرة والتجربة والمعاناة، والتفاعل المباشر مع قضايا المجتمع والأمة.

فشرارة الإبداع تتقد حينما تنداح تلك الأسئلة من المثقف التي تضعه وتضعنا أمام حقائق الحياة ومقوماتها.. ولا فرق في ذلك بين الإبداع الذي يقصده أفلاطون «التعبير عن عالم المثل» أو ما قصده أرسطو من أنه «محاكاة الطبيعة ثم التسامي عليها» أو ما قصده «كانط» من أن الإبداع «طريقة جمالية في إظهار الشيء».

وفقًا لكل هذه المعاني والمصطلحات، لا بد من توافر علاقة حميمة بين المثقف والواقع، لا للخضوع له، وإنما لمعرفة حقائقه والتفاعل الخلاق معها لصناعة النص المبدع.

فالقاعدة الاجتماعية لإبداع المثقف العربي أن يكون في حالة حركة وصيرورة مع مجتمعه ومحيطه الإنساني، وبعيدًا عن حالات الجمود والكسل الفكري.. حينذاك يبدأ المثقف بإنتاج عطاءاته المبدعة. وبالتالي فإن إبداع المثقف العربي مرهون بالعوامل التالية:

1- مدى علاقته بالثقافة، فالمثقف الذي يعتبر الثقافة وظيفة له، ولا تربطه بها روابط حب أو تفاعل أو تفانٍ من أجل العلم والمعرفة، إن هذا المثقف سيبقى يكرر ما ينتجه الآخرون، ولن يتجاوز سقف العطاءات الثقافية المتوفرة في الساحة.. بينما المثقف الذي يرقى في علاقته بالثقافة إلى مستوى الحب والعطاء والتفاعل، فإن هذا المثقف، مع مرور الزمن، سيتمكن من الإبداع في حقله المعرفي والثقافي.

2- مدى علاقته بالتحديات والتطورات التي تجري في ساحة الأمة العربية والإسلامية.

فالمثقف الذي يصنع لنفسه حاجزًا يحول دون التفاعل مع هذه القضايا «التحديات والتطورات» لن يباشر أي دور مبدع في حياته العلمية والثقافية، لأنه منع عن نفسه منبعًا من منابع الإبداع، ألا وهي التحديات والتطورات، فهي بمثابة الحافز الذي يستفز كل القوى والطاقات الذهنية والفكرية، للإتيان بالجديد بما يناسب تلك التحديات والتطورات، لأن بداية الثقافة والمعرفة هي المساءلة، ثم المشاركة في توليد معرفة من قيم الثقافة وخطوطها الكبرى.

وجماع القول: إن من وهج الحياة وتفاعل المثقف معها، تتولد حالات الإبداع في حياة المثقف، فحيوية حضور المثقف في العصر هي القاعدة المعرفية والمادية لعملية الإبداع في مستوياتها المعرفية المختلفة.