دوام الحال من المحال


ماذا يعني الحال؟
الحال لغةً:
هو ما يكون عليه الإنسان أو الشيء من هيئة وصفة وكيفية «سواء كانت حسّية أو معنوية، من خير أو شر».
• يُذكَّر ويؤنَّث في اللغة العربية، فيُقال: ”حالٌ حسنة“ أو ”حالٌ حسن“.
الحال اصطلاحًا:
هو وصفٌ فضلة، منصوب، يُذكر لبيان هيئة صاحبه وقت حدوث الفعل.
وتفصيل شروطه وقيوده:
وصف: غالبًا ما يكون مشتقًا «كاسم الفاعل أو اسم المفعول أو الصفة المشبهة»، وإن جاء جامدًا يُؤوَّل بمشتق.
فضلة: أي ليس عمدة في الجملة «ليس فاعلًا ولا مفعولًا به ولا خبرًا»، بمعنى أنه يكمّل معنى الجملة ويمكن الاستغناء عنه في بعض التراكيب.
هذا ما ورد في مصادر اللغة العربية، وقد ورد في الدعاء المأثور: ”اللهم غيّر سوء حالنا بحسن حالك“. فماذا يعني الحال هنا؟
معنى الدعاء:
سوء الحال: هو الوضع السيئ أو الضيق الذي يعيشه الإنسان، كأن يشتكي من مرض، أو فقر، أو ديون، أو هموم، أو بعدٍ عن الطاعة.
بحسن حالك: طلب الانتقال والتحوّل من الضعف والعجز والضيق إلى ما يتصف به الحق سبحانه وتعالى من كمال القدرة والغنى والرحمة والسعة، وقيل هو التوسل بصفات الله وأفضاله ليستبدل بالعبد حالًا حسنًا جميلًا.
المقصود العام: هو تضرع واعتراف بالضعف؛ يسأل فيه العبد ربّه أن يُخرجه من كل ضيق وكرب، ويبدّل أوضاعه الصعبة بأحوال يسيرة وطيبة ومنعمة بفضله.
في التراث الحديثي عند الشيعة الإمامية، تُستعمل مفردة ”الحال“ في سياقات متعددة ومتنوعة «أخلاقية، عقدية، وفقهية»؛ حيث تشير غالبًا إلى ”الوضع الراهن للإنسان، أو صفاته النفسية، أو كيفية عبادته وتعامله مع الله والمجتمع“.
أبرز الأحاديث والروايات الواردة في ”تقلب الأحوال“ و”الرضا بالحال“
تركّز العديد من الروايات على تبدل أحوال الدنيا وحث المؤمن على الرضا والالتزام بالتقوى في كل حال:
عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب

في نهج البلاغة، قال: ”الدَّهْرُ يَوْمَانِ: يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ، فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ، وَإِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِرْ فَبِكِلَيْهِمَا تُخْتَبَرُ“.
وفي الحكمة المنقولة عنه أيضًا: ”الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ“، وهي عبارة مأثورة يُستحب للمؤمن قولها في السراء والضراء، تعبيرًا عن التسليم المطلق لمشيئة الله وتدبيره.
أحاديث في ”الاعتناء بأحوال الآخرين“ و”قضاء الحوائج“
ترتبط مفردة ”الحال“ في أحاديث المعاملات والأخلاق بالسؤال عن أحوال الإخوان وتفقد أحوالهم المعيشية.
يقول سيد الشهداء الإمام الحسين في إحدى خطبه: ”الحمد لله الذي خلق الدنيا، فجعلها دار فناءٍ وزوالٍ، متصرِّفةً بأهلها حالًا بعد حالٍ، فالمغرور من غرَّتهِ، والشقيُّ من فتنتهِ، فلا تغرَّنكم هذه الدنيا، فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها، وتخيّب طمع من طمع فيها“.
تمرّ أمامك في الحياة الدنيا مشاهد ومواقف، ترى فيها تقلّب أحوال من يعيشون حولك وظروفهم، وتقول في نفسك: لولا لطف الله لكنت مكانه، ولأصابني ما أصابه. ولهذا يُستحب للمؤمن أن يقول سرًا في نفسه: ”الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضّلني على كثير ممن خلق تفضيلًا“.
مشاهد من تقلّب الأحوال
رجل فنيّ تقاعد في سن مبكرة، يتمتع بقوة ونشاط، كرّس نفسه لخدمة المساجد والحسينيات، فيما يتعلق بصيانة الكهرباء والسباكة، في الحي الذي يسكنه. فكان يخرج من بيته صباحًا إلى المسجد أو الحسينية حسب البرنامج الذي أعده سلفًا، ويعمل حتى الثانية والنصف ظهرًا. وكان في معظم الأحيان ينفق من ماله الخاص لشراء بعض مستلزمات الصيانة، وكان معروفًا ومحبوبًا في مجتمعه. وفجأة غاب عن الحضور، وعندما سُئل عنه، قيل إنه سقط في بيته أثناء إجراء أعمال صيانة، وهو يعالج الآن. وبعد شهر تقريبًا، ونحن ننتظر إقامة الصلاة في المسجد، إذ دخل علينا شخص يتوكأ على عكازتين، ويمشي ببطء شديد، دققت النظر، فإذا هو صاحبنا المشرف على الصيانة. فقلت: سبحان مغيّر الأحوال.
تقاعد من الشركة التي كان يعمل فيها قبل بضع سنوات، يصلي معنا في مسجد الحي ويحضر مجالس أهل البيت التي تقام في الحي كل ليلة، وكان الجميع يعرفه تمامًا لأنه إذا رأى أمرًا لا يعجبه انتقده بشدة، ولذا يتجنب بعضهم الاحتكاك به، خشية الاصطدام معه. ونحن جلوس ننتظر وصول الخطيب في أحد المجالس الحسينية، سمعت من يقول: إن فلانًا قد تعرض إلى جلطة، وهو يُعالج منها الآن. بعد مرور شهور، حضر المذكور أحد المجالس الحسينية القريبة من بيته، وكان ابنه يساعده على المشي بتؤدة، فرأيته وتألمت لما أصابه، فقد كان لعابه يسيل دون إرادة، والجلطة سببت انحرافًا في وجهه، وكانت الكلمات تخرج من فمه بصعوبة شديدة. فقلت في نفسي: سبحان الله، بالأمس كان سليمًا معافى، واليوم أصبح مقعدًا ولا يتحرك إلا بالعون والمساعدة. حقًا المؤمن لا يطمئن لهذه الدنيا الفانية.
طبيب استشاري متخصص يعالج الناس بكل أمانة، ويسعى لتذليل الصعاب التي تواجه مرضاه، فكان محبوبًا ومطلوبًا من الجميع. بعد تقاعده، رأى أنه لا يزال يستطيع أن يخدم المجتمع، ”لأن المجتمع لا يستغني عن الطبيب وعالم الدين“. عندها توجه طبيبنا للعمل لدى إحدى الشركات الصحية التي تقدم خدمات علاجية في أحد المستشفيات الحكومية. بعد فترة من العطاء، تقاعد من تلك الشركة، ولكنه بعد فترة قصيرة فوجئ بإصابته بأحد الأمراض الفتاكة، مما اضطره إلى الخضوع للعلاج في أحد المستشفيات المتخصصة في العاصمة الرياض. وهكذا ظل يراجع المستشفى بين فترة وأخرى لتلقي العلاج. سبحان الله! لم يهنأ بالتقاعد لكي يسافر ويتسلى كما هو حال المتقاعدين الأصحاء.
شاب في مقتبل العمر تخرّج من الثانوية العامة بنسبة تؤهله للالتحاق بأي جامعة «قبل نظام القياس والقدرات»، فقام بتجهيز عدة ملفات لتقديمها للجامعات، لعله يحظى بالقبول في إحداها «طبعًا قبل التقديم إلكترونيًا»، لكن القدر لم يمهله، فقد شعر بتعب وإرهاق، فأخذه والده على الفور إلى الطبيب المختص، الذي أجرى له عدة تحليلات مستعجلة، وبعدها جاءت الساعة الحاسمة والمؤلمة، حينما أبلغ الطبيب الوالد وابنه أن الشاب مصاب بالفشل الكلوي، وأن دخوله المستشفى ضروري الآن. هنا حلّ الوجوم والصمت القاتل، وكأن الخبر طامة كبرى، انقطع الأمل وحلت الكآبة ووقع الخبر كالصاعقة على الأب وابنه. رفض الشاب الدخول للمستشفى لتلقي العلاج وقال: الأسبوع القادم بداية التقديم في الجامعات، ودخولي المستشفى سيحرمني من الالتحاق بالجامعة! قال الطبيب: يا بني، الصحة أولًا، ثم التعليم، وعليك بالصبر حتى تتجاوز هذه المحنة، وأنت شاب والحياة أمامك فلا تيأس فالله معك. شاءت الأقدار أن يدخل المستشفى ويتلقى العلاج، وبعد أسبوع يتقدم للجامعة المرغوبة ويُقبل، وخلال دراسته أُجريت له عملية زرع كلية، ويتخرج ويمارس حياته بحسب حالته. ورد عن أمير المؤمنين علي أنه قال: ”امشِ بدائك ما مشى بك“.
والحديث ذو شجون، كم من سجين محكوم عليه بالقصاص يأتيه الفرج لحظة تنفيذ الحكم، وقس على ذلك.
يقول تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2]. أي يُمتحنون، والبلاء والابتلاء ليسا خاصّين بالمسلم وحده، بل بالإنسان بغض النظر عن ديانته أو جنسيته أو حتى مستواه المالي والمعرفي.
رأيت فيلمًا أجنبيًا على قناة أم بي سي 2، يتناول قصة رجل غربي وزوجته وولديه في رحلة استجمام إلى دولة آسيوية، وذات يوم، بينما كانوا يستمتعون بوقتهم على الشاطئ، إذ ضرب تسونامي المنطقة بقوة وسرعة مذهلتين، مما أدى إلى تفريق وتشريد الأسر وتدمير المنشآت، فغصّ المستشفى المتواضع ذو الإمكانات المحدودة بالسياح المصابين والجرحى، ومن بينهم أفراد تلك الأسرة الغربية، فتعرضت الأم وهي طبيبة لإصابات خطيرة، بينما كان زوجها في مكان وطفلاها في مكان آخر. وهكذا يصور لنا المخرج المآسي المؤلمة لهذه الأسرة، وكيف بدأ شمل الأسرة يلتئم، وكيف تدخلت سفارتهم لنقلهم بطائرة خاصة إلى أفضل مستشفى خارج تلك البلاد.
الدعاء وتغيير الحال
اللجوء إلى الله هو المسار السليم، فقد جاء في بعض الأدعية الواردة عن الأئمة الأطهار

التي تحث الداعي على التوجه إلى الله سبحانه وتعالى، رجاء تغيير حاله إلى الأفضل.
فمثلًا ورد في تعقيب صلاة الظهر: ”اَللَّهُمَّ لا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلّا غَفَرْتَهُ وَلا هَمًّا إِلّا فَرَّجْتَهُ وَلا سُقْمًا إِلّا شَفَيْتَهُ وَلا عَيْبًا إِلّا سَتَرْتَهُ وَلا رِزْقًا إِلّا بَسَطْتَهُ وَلا خَوْفًا إِلّا آمَنْتَهُ وَلا سُوءًا إِلّا صَرَفْتَهُ وَلا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا وَلِيَ فِيهَا صَلَاحٌ إِلّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ“.
وفي تعقيب صلاة العصر: ”اَللّهُمَّ إِنّي أَسْأَلُكَ الْيُسْرَ بَعْدَ الْعُسْرِ، وَالْفَرَجَ بَعْدَ الْكَرْبِ، وَالرَّخاءَ بَعْدَ الشِّدَّةِ، اَللّهُمَّ ما بِنا مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْكَ، لا إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ“.
وجاء في تعقيب صلاة العشاء: ”وَاجْعَلْ يا رَبِّ رِزْقَكَ لِي وَاسِعًا وَمَطْلَبَهُ سَهْلًا وَمَأخَذَهُ قَريبًا...“.
وفي دعاء الصباح: ”فَاجْعَلِ اللَّهُمَّ صَبَاحِي هَذَا نَازِلًا عَلَيَّ بِضِيَاءِ الْهُدَى وَبِالسَّلامَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَمَسَائِي جُنَّةً مِنْ كَيْدِ العِدَى وَوِقَايَةً مِنْ مُرْدِيَاتِ الْهَوَى، إِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى مَا تَشَاءُ...“.
ويمكن للقارئ الكريم وهو يقرأ الأدعية أن يتأمل مفرداتها التي تشير إلى إلحاح العبد على الله تعالى في تغيير حاله من المرض إلى الصحة، ومن الفقر إلى السعة، ومن البلاء والغم إلى الفرج.
من منا لا يسأل الله يوميًا أن يغيّر حاله إلى الأحسن، فالفقير يسأل الغنى والثروة، والمريض يسأل الله الشفاء والعافية، والغريب يسأل الله أن يفرّج كربته ويعود سالمًا إلى أهله ووطنه، والمديون يسأل الله أن يعينه على سداد دينه، والمواطن يسأل الله أن يحفظ بلاده وبلاد المسلمين من كل مكروه.
لم يسلم من البلاء والامتحان في هذه الدنيا حتى الأنبياء والرسل والصالحون، فقد جاء في الأثر: ”إنّ أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأوصياء ثم الأماثل فالأماثل“.
كما جاء في الحديث المروي عن النبي ﷺ: ”اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ: شبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِناءكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَراغَكَ قبلَ شُغلِكَ، وحياتَكَ قبلَ موتِكَ“. يبيّن الحديث تقلّب أحوال المرء من حال إلى أخرى.
وقال الشاعر الشيخ علي بن حماد العبدي، واصفًا تقلّب الأحوال:
لاَ تَأمَنِ الدَّهْرَ إِنَّ الدَّهْرَ ذو غِيَر
وذو لسانينِ في الدنيا وَوَجْهَينِ.



