الأربعاء 4 نوفمبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أبو علي... لا نريد حمية جديدة!

رضي منصور العسيفالأربعاء 4 نوفمبر 2026، 1:06 م
أبو علي... لا نريد حمية جديدة!

اعتدل أبو علي في جلسته، وقد زال كثيرٌ من القلق الذي دخل به إلى عيادة التغذية.

فقبل دقائق فقط، كان يقف على الميزان خائفًا من رقم 119، ينتظر أن تبدأ أخصائية التغذية جلسة العتاب، وأن تفتح أمامه دفتر الممنوعات!

لكن كلماتها الهادئة:

— أنا هنا لمساعدتك، لا لمعاقبتك.

بدّدت شيئًا من تلك المخاوف التي حملها معه منذ أن تسلّم ورقة التحويل من الطبيب.

ابتسم أبو علي وقال لها، وكأنه يعترف أخيرًا بالحقيقة:

— يبدو أنني كنت أحارب أوهامًا أكثر مما كنت أحارب الطعام...

وأظن أن الوقت قد حان لأتعلّم كيف أعيش مع الطعام، لا كيف أعيش ضده.

ابتسمت الأخصائية وقالت:

— ممتاز يا عمي...

إذن لنبدأ من البداية.

وما إن سمع أبو علي عبارة ”لنبدأ من البداية“، حتى تحرّك القلق في داخله مرة أخرى!

قال في نفسه:

— الله يستر...

يبدو أن المقدمة اللطيفة انتهت، والآن ستخرج قائمة الممنوعات!

لكن الأخصائية فاجأته بسؤال:

— أخبرني أولًا... ما الأنظمة الغذائية التي جرّبتها من قبل؟

رفع أبو علي رأسه، ونظر إليها لحظة، ثم قال:

— كلها!

ضحكت وقالت:

— كلها؟!

قال بثقة:

— تقريبًا... وإذا كان هناك نظام لم أجرّبه، فلا بد أنه ظهر هذا الأسبوع!

ثم أخذ يسرد تجاربه:

— بدأت بتقليل الأكل...

ثم أعلنت الحرب على الخبز...

ثم وضعت الأرز في قائمة المطلوبين...

ثم جاء صديقي حسن وأدخلني عالم الكيتو...

وهناك أصبحت علاقتي باللحم أقوى من علاقتي ببعض الأصدقاء

ثم تعبت...

ثم صالحني الخبز...

ثم عقدت هدنة مع النشويات...

ثم جاءت وليمة الزواج وكسرت الهدنة...

ثم ارتفع وزني من 117 إلى 119...

ثم جاء النقرس...

وأشار إلى إصبع قدمه وقال:

— وهذا هو الشاهد الوحيد الذي حضر معي إلى العيادة

ضحكت الأخصائية وقالت:

— إذن أنت لم تأتِ إلينا من فراغ... لقد خضت رحلة طويلة!

قال أبو علي:

— رحلة؟!

هذه ليست رحلة يا دكتورة...

هذه سلسلة حروب، والضحايا أنا وميزاني وإصبعي!

ابتسمت وقالت:

— ولهذا تحديدًا لن أعطيك حميةً جديدة تبدأ بها اليوم، ثم تتركها بعد أسبوعين.

نظر إليها بدهشة:

— لن تعطيني حمية؟!

قالت:

— سأساعدك على بناء خطة تناسبك أنت.

فلا توجد خطة واحدة لإنقاص الوزن تناسب الجميع. ما نجح مع صديقك حسن قد لا يناسبك، وما يناسب شخصًا آخر قد لا يناسب ظروفك الصحية أو حياتك، أو حتى الأطعمة التي تحبها.

هز أبو علي رأسه ببطء، ثم قال:

— يعني حمية حسن كانت لحسن...

وأنا أخذتها ولبستها مثل ثوبٍ مستعار!

ضحكت الأخصائية:

— تقريبًا!

قال:

— ويبدو أن المقاس لم يكن مناسبًا!

*****

فتحت الأخصائية ملفه وقالت:

— لذلك، قبل أن نضع أي خطة، أريد أن أعرفك أنت.

كيف تعيش؟

متى تأكل؟

ما طبيعة عملك؟

ماذا تحب من الطعام؟

ما الذي تستطيع الاستمرار عليه؟

وما ظروفك الصحية؟

ثم أشارت إلى ملفه وأضافت:

— وبالطبع سنضع النقرس في الحسبان.

نظر أبو علي إلى إصبعه وقال:

— لا تخافي... هو حريص على أن يذكّرنا بنفسه!

ثم سألته:

— ماذا تحب أن تأكل؟

تردد أبو علي قليلًا وقال:

— هل هذا السؤال فخ؟!

ضحكت:

— ولماذا يكون فخًا؟

قال:

— أخشى أن أذكر لك الأشياء التي أحبها، فتضعين أمام كل واحد منها علامة حمراء!

قالت:

— اطمئن... تكلّم.

قال بحذر:

— أحب الخبز.

دوّنت شيئًا.

راقب قلمها بقلق.

ثم قال:

— والأرز.

دوّنت مرة أخرى.

ازداد قلقه.

ثم قال بصوت أخفض:

— واللحم أيضًا...

دوّنت.

لم يستطع أبو علي الصبر، فسألها:

— دكتورة... ماذا تكتبين؟!

قالت:

— الأطعمة التي تحبها.

قال متفاجئًا:

— ظننت أنك تُعدّين قائمة الممنوعات!

ابتسمت وقالت:

— يا عمي، إذا أعطيتك خطة مليئة بأطعمة لا تحبها، فكم ستستمر عليها؟

فكّر قليلًا وقال:

— إذا كنت متحمسًا جدًا...

ثلاثة أيام!

ثم أضاف:

— وإذا بدأت يوم الخميس... فحتى مساء الجمعة!

ضحكت الأخصائية وقالت:

— وهذا ما نريد تغييره.

الخطة الجيدة يجب أن تكون متنوعة ومتوازنة، وتحتوي على أطعمة تحبها، وتستطيع الحصول عليها بسهولة، وتناسب ظروفك وميزانيتك وحالتك الصحية.

رفع أبو علي حاجبيه:

— يعني أستطيع أن آكل الأرز؟

— نعم.

— والخبز؟

— نعم.

تهلّل وجهه وقال:

— بدأت أحب العلم!

ابتسمت الأخصائية وأضافت:

— ولكن...

تغيّرت ملامحه فورًا!

— كنت أعلم أن وراء الموضوع ”لكن“!

قالت ضاحكة:

— لكن بالكميات المناسبة.

ثم أضافت:

— وسنراعي أيضًا نوع الطعام وطريقة تحضيره، خصوصًا مع حالتك الصحية.

تنهد أبو علي بارتياح:

— لا بأس...

المهم أن الخبز خرج من السجن!

***

ثم قالت الأخصائية:

— وهناك أمر آخر... لا أريدك أن تنشغل بسرعة نزول الوزن.

نظر إلى الميزان في زاوية الغرفة وقال:

— قولي هذا الكلام له... هو الذي يستفزني بالأرقام!

ابتسمت وقالت:

— الميزان وسيلة للمتابعة، وليس حكمًا عليك.

إنقاص الوزن الناجح لا يعني أن تخسر أكبر عدد من الكيلوغرامات في أقصر مدة. المهم أن يكون النزول آمنًا وتدريجيًا، وأن تستطيع المحافظة عليه.

سكت أبو علي لحظة.

تذكّر فرحته عندما هبط وزنه بسرعة...

وتذكّر بعدها التعب والجوع وتقلّب المزاج...

ثم نظر إلى إصبعه المصاب بالنقرس وقال:

— يبدو أنني كنت أريد الوصول إلى خط النهاية قبل أن أتعلّم المشي!

قالت:

— بالضبط.

ثم أضافت:

— ولا تنجرف وراء كل إعلان يعدك بخسارة وزن مذهلة خلال أيام.

اسأل دائمًا:

هل هذا البرنامج آمن؟

هل يناسب حالتي

هل يستند إلى أسس علمية؟

وهل أستطيع الاستمرار عليه؟

ابتسم أبو علي وقال:

— المشكلة أن الإعلان يقول لك: عشرة كيلو في عشرة أيام...

ولا يقول لك ماذا سيحدث لك في اليوم الحادي عشر!

ضحكت الأخصائية وقالت:

— ولهذا نريد خطة تستطيع العيش معها على المدى الطويل.

ثم شرحت له أن الطعام الصحي لا يعني إلغاء مجموعات غذائية كاملة دون حاجة طبية، وإنما التنوع والاتزان، مع التركيز على الأطعمة المغذية، والخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة ومصادر البروتين المناسبة، وتقليل الأطعمة والمشروبات الغنية بالسعرات الحرارية وقليلة القيمة الغذائية.

قال أبو علي:

— يعني لن تقوموا بتسريح نصف المجموعات الغذائية؟!

قالت:

— لن نعلن الحرب على أحد!

ابتسم وقال:

— ممتاز...

لقد تعبت من الحروب!

ثم قالت:

— وسنختار لك أطعمة متوفرة وتحبها، لا أطعمة تحتاج إلى البحث عنها في نصف متاجر المدينة.

قال أبو علي:

— الحمد لله...

آخر شيء أريده حمية تحتاج إلى جواز سفر!

*****

ثم قالت الأخصائية:

— ولا ننسى النشاط البدني، بالطريقة المناسبة لحالتك، وبعد مراعاة مشكلة قدمك.

نظر أبو علي إلى إصبعه وقال:

— سمعت؟ لا تتحجج كثيرًا!

ثم سأل:

— يعني إذا أكلت أرزًا، أمشي نصف ساعة حتى أحرقه؟

قالت:

— لا تجعل الرياضة عقوبةً على الطعام.

اجعل الحركة جزءًا طبيعيًا من حياتك، ونبدأ بالنشاط المناسب عندما تسمح حالتك الصحية بذلك.

ظل أبو علي صامتًا لحظة، ثم قال:

— وأنا كنت أتعامل مع المشي كأنه قسم تسديد المخالفات الغذائية!

ضحكت الأخصائية.

ثم وضعت قلمها على الطاولة وقالت:

— يا عمي، إذا أردت قاعدةً واحدة تلخّص لك كل ما قلناه، فتذكّر هذه:

لا تبحث عن حمية تستطيع تحمّلها لأسابيع... ابحث عن أسلوب حياة تستطيع الاستمرار عليه سنوات.

ساد الصمت للحظات.

نظر أبو علي إلى الميزان في زاوية الغرفة.

قبل قليل كان يراه خصمًا يترصّد به...

وقبل أسابيع كان يرى الخبز عدوًا...

والأرز متهمًا...

واللحم منقذًا...

ثم أصبح اللحم نفسه موضع شك!

أما الآن، فقد بدأ يفهم أن المشكلة لم تكن في صنفٍ واحد من الطعام...

بل في الطريقة التي كان يفكّر بها.

ابتسم وقال:

— دكتورة... أعتقد أنني عرفت أين أخطأت.

قالت:

— أين؟

قال:

— طوال الفترة الماضية كنت أبحث عن حمية تنتهي...

ولم أبحث عن طريقة حياة تستمر.

ابتسمت الأخصائية وقالت:

— والآن نستطيع أن نبدأ.

اعتدل أبو علي في جلسته وقال بحماس:

— أنا جاهز!

ثم سكت لحظة وقال:

— لكن بقي سؤال مصيري واحد!

ابتسمت:

— ما هو؟

قال بجدية شديدة:

— الخبز معنا... صحيح؟!

ضحكت وقالت:

— معنا... بالكمية المناسبة.

تنفّس أبو علي بارتياح، ثم التفت إلى الميزان وقال:

— سمعت؟!

لا تنظر إليَّ هكذا...

الخبز عاد بقرار رسمي من عيادة التغذية!

ولأول مرة منذ أن بدأت رحلته مع إنقاص الوزن، شعر أبو علي أنه لم يعد بحاجة إلى إعلان حرب جديدة على الطعام.

فقد أدرك أخيرًا أن النجاح لا يتحقق بكثرة الممنوعات، ولا بسرعة نزول الأرقام، وإنما بالوعي والتوازن والاستمرار.

وهكذا...

انتهت جلسة البحث عن حمية جديدة...

وبدأت رحلة البحث عن حياةٍ أكثر صحة!

وصفة صحية

لا تبحث عن أسرع حمية لإنقاص الوزن، بل عن نظام غذائي متوازن يناسب صحتك وذوقك وظروف حياتك، وتستطيع الاستمرار عليه. فنجاح الحمية لا يعتمد على حرمان نفسك من الأطعمة التي تحبها، وإنما على اختيار النوع المناسب، وضبط الكميات، وممارسة النشاط البدني الملائم لحالتك، وتغيير عاداتك الغذائية تدريجيًا.

تذكّر: أفضل حمية ليست التي تُنقص وزنك بسرعة، بل التي تساعدك على تحسين صحتك والمحافظة على نتائجك طويلًا.

وللقصة بقية...