محمد العلي رجل كانت الأرض تنتظره


في هذا النص التأبيني البديع لسماحة الشيخ حسين المصطفى، «أأستأذن الموت»، لا نقرأ رثاءً تقليدياً لمحمد العلي، ولا نقف أمام كلمات تستعيد سيرة رجل رحل، بل ندخل فضاءً شعرياً وفلسفياً يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان والتاريخ والموت. هنا لا يبدأ التأبين من لحظة الرحيل، بل يعود إلى ما قبل الميلاد، وكأن العلي لم يكن إنساناً ولد في زمن محدد، وإنما كان معنى كامناً في ذاكرة الأرض، ينتظر لحظة ظهوره.
يفتتح النص بسؤال بالغ الدلالة: «أأستأذن الموت كي أبكيك، يا أبا عادل؟» إنه سؤال يتجاوز الحزن إلى مساءلة الموت نفسه؛ فهل يملك الموت حق احتكار الغياب؟ وهل يستطيع أن يمنع المحبين من البكاء، أو أن يضع حداً لما يتركه الراحل في أرواحهم؟ ثم ينتقل إلى الماء والخليج، فيستحضر جرحاً أقدم من الذاكرة الفردية، ليجعل الفقد امتداداً لوجع المكان وتاريخه.
ومن هنا تتسع الرؤية بصورة لافتة؛ من حوطة النجف إلى دلمون، ومن أول نخلة شقت ظلام الطين إلى الجرار السومرية. هذه ليست إشارات جغرافية أو تاريخية عابرة، بل محاولة لإدخال محمد العلي في ذاكرة حضارية ممتدة، كأن الشاعر يستدعي الأزمنة الأولى ليقول إن بعض الشخصيات لا يستوعبها زمن ولادتها وحده، لأنها تحمل في تكوينها شيئاً من ذاكرة المكان العميقة.
وأبلغ ما في هذا البناء قوله: «كنا ننتظرك». هنا يبلغ النص ذروته التأويلية؛ فالعلي، الذي لم يكن قد ولد بعد، كان حاضراً في وجدان الأرض قبل أن يظهر على سطحها. إنها صورة تمنح الإنسان قيمة تتجاوز عمره، وتجعل مجيئه أشبه بتحقق موعد قديم بين الأرض وأحد أبنائها.
ثم تأتي صورة النخيل الذي يعرف قامته النحيلة، والجرار السومرية التي تحتفظ في جوفها بشيء من ضحكته المقبلة. وهنا تتجلى براعة الشيخ حسين في أنسنة التاريخ والطبيعة؛ فالنخيل يتذكر، والجرار تحفظ، والأرض تتهيأ لاستقبال إنسان لم يأت بعد. وكأن العالم كله كان يخبئ شيئاً من محمد العلي قبل أن يعرفه الناس.
أما القطيف، فيمنحها النص دور الشاهد الأول، حين يجعلها تكتب على ألواح الملح نبوءة مجيء رجل من طينها، لا يحمل سيفاً ولا يتخذ من الحقيقة عرشاً. وهذه من أكثر العبارات عمقاً؛ لأنها تختصر شخصية العلي في موقف أخلاقي وفكري. لم تكن قوته في سلطة أو نفوذ، بل في عقله وسؤاله وصدقه، ولم يكن يتعامل مع الحقيقة بوصفها ملكية يستعلي بها على الآخرين، بل بوصفها رحلة بحث لا تنتهي.
وتأتي صورتا «اعتذار الريح للشجر» و«السؤال الأول حين اصطدم عقل الإنسان بالسماء» لتكشفا عن مستويين متكاملين في شخصية الراحل: رهافة الإنسان الذي لا يؤذي، وعمق المفكر الذي لا يكف عن مساءلة الوجود. وهنا لا يكتفي النص بوصف العلي، بل يحاول أن يكشف سر فرادته: كيف اجتمعت في رجل واحد خفة الروح وثقل السؤال، ووداعة الطبع وصلابة الموقف، وحب الحياة والقلق الفكري؟
ويبلغ النص خاتمته في عبارة شديدة الإيحاء: «ويكون من كثرة ما أحب الحياة غريباً عن مواكب الموت». إنها ليست مفارقة لغوية فحسب، بل خلاصة فلسفية للتأبين كله. فالعلي الذي أحب الحياة بكل ما فيها من جمال وفكر وحرية وإنسانية، لا يبدو منتمياً إلى عالم الموت، حتى بعد أن صار الموت حقيقة غيابه الجسدي. كأن محبته للحياة جعلت حضوره أكبر من أن تستوعبه مراسم الرحيل.
في تقديري، تكمن عظمة هذا النص في أنه لم يرثِ محمد العلي بقدر ما أعاد اكتشافه. لم يتحدث عن سنوات عمره، ولا عن منجزاته الأدبية والفكرية والموسوعية، بل ذهب إلى ما هو أبعد من السيرة: إلى المعنى الذي يمثله هذا الإنسان في ذاكرة وطنه ومكانه ومحبيه.
إن الشيخ حسين المصطفى لم يكتب عن رجل مات، بل كتب عن إنسان كانت الأرض تنتظره، وحين جاء ترك فيها ما يجعلها تواصل انتظاره.
وهذه، في جوهرها، أجمل مفارقات الرثاء: أن يغيب الإنسان، لكن يظل المكان يتذكر أنه كان هنا، وأن حضوره لم يكن عابراً، وأن بعض الرجال لا تنتهي حكايتهم عند آخر صفحة من أعمارهم، لأنهم يتحولون إلى جزء من ذاكرة الحياة نفسها.



