نسيَ وأُنسيَ

لا تتعجب أيها القارئ العزيز من هذا العنوان ولا تظن أنه لروايةٍ أو قصة، إنه مشتق من آيتين كريمتين من كتاب الله عز وجل، الأولى في سورة التوبة آية 67: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)، والثانية في سورة الحشر آية 19: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ).
والكلام في هاتين الآيتين يتفرّع إلى عدة مطالب في اللغة والمعنى والتفسير والبلاغة وهي من لطائف لغة القرآن ووجوه الإعجاز
أمَّا من الناحية اللغوية والبلاغية في قوله تعالى: (فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ)، فإن أصل الفعل هو نسيَ، وهو فعل متعدٍّ لمفعول واحد، تقول: نسيَ فلان كتابه أو نسيَ فلان نفسه، ولمّا دخلت همزة التعدية على الفعل صار أنسى، فجعلت الفعل نفسه يتعدى لمفعولين؛ فنقول: أنسى فلانٌ فلاناً كتابَه، أو أنسى الشيطانُ زيداً ذكرَ ربه، وهكذا تتجلى همزة التعدية في إيقاع الفعل اللازم متعدياً، وتعدية الفعل المتعدي إلى مفعول ثانٍ.
وتطبيقًا على الآيتين الشريفتين، ترى بأن الآية الأولى تقول: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) وانتهت أي لم تحتج لزيادة مفعول، وعندما جاءت الآية الثانية ودخلت الهمزة في قوله تعالى: (فَأَنسَاهُمْ)، احتاجت إلى مفعول ثانٍ وهو أنفسهم.
وأما الفاء في فأنساهم؛ فكما تعلم بأن الفاء في الأصل حرف عطف تفيد التعقيب، ولكن لها أغراضاً أخر؛ ففي الآية جاءت هذه الفاء تفريعية سببية. ومعنى هذا الكلام: أن ما بعدها مفرع ومترتب عما قبلها وناشئ عنه، والسببية بأن هناك سبباً ومسبباً له.
فلو عدنا إلى الآية وقرأناها الآن: (نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ)؛ أي أن إنساءهم فرعٌ لأنهم نسوا الله، فهكذا يكون ترتيب الكلام، وإنَّ عِلَّة إنسائهم هي بسبب نسيانهم لله عز وجل.
أما من ناحية الضمائر في أنفسهم وأنساهم؛ فهي تعود على عائد واحد، وهو الذين نسوا الله؛ إذن عائد الضمير (هم) في كلا الكلمتين يعود على (نسوا).
بقي أمر فقد جاء في جواهر البلاغة في مبحث المشاكلة من علم البديع: أن هذه الآية (فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ)؛ جاءت كلمة أنسى فيها بمعنى أهمل، وإن استخدامها للمجانسة بمعنى مجانسة الإنساء؛ لأنهم نسوا فأنسى فتكون المشاكلة حاضرة، وإلا فالمراد الحقيقي هو: أي أهملهم وتركهم. هذا هو المعنى البلاغي للمشاكلة، وهو من المحسنات البديعية الجميلة لا المعنى الحقيقي الأولي.
هذا يسوقنا إلى نكتة كلامية وهي أن كل ما ذُكر من نسبة الأمور النفسية أو التأثر النفسي لذات الله عز وجل؛ فإنه منزه عنه.
فما قيل من مكر الله، وخداعه، واستهزائه، وسخر الله منهم، ونسوا الله فنسيهم؛ كل ذلك معناه جزاؤهم؛ أي يجازيهم جزاء المكر وجزاء المخادعة وجزاء الاستهزاء وجزاء السخرية وجزاء النسيان.
فإن نسيان ذكر الله تعالى يوقع الإنسان في أن يرفع الله عنه لطفه ورحمته؛ وحقيقة (فأنساهم أنفسهم) هنا تعني: جعلهم ينسون أن يعملوا لما يصلح أنفسهم، فلم يختاروا ما فيه خير صلاحهم وصلاح أنفسهم وعاجلهم وآجلهم، فتهاووا وهلكوا، وإذا صرفوا عن ذلك تاهوا وضلوا، وصرفوا عن أن يعملوا أو أن يذكروا بأن يعملوا لأخراهم ولخيرهم.
فإنه عز وجل لا يمكر، ولا يخادع، ولا يستهزئ، ولا يسخر، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ولو تتبعت أو استقرأت جملة من الآيات الكريمة؛ تجد أنها تؤكد على نفس هذا المضمون؛ فإن نسيان ذكر الله تعالى يوقع الإنسان في أن يرفع الله عنه لطفه وما يقربه للطاعات. في سورة الجاثية قال عز وجل: (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ).
فلا تنظر إلى نفسك مستقلا عن مولاك في أيّ آن.
فإن نسيان الله عز وجل يؤدي إلى نتيجة أن يَتيه الإنسان ويَضل.
وليت شعري -أيها القارئ- أيُ رحمةٍ لله عز وجل بأن ترك باباً للرجوع إليه والعودة إلى ذكره لا يقفل أبداً
وإن هذا من أعاجيب الرأفة والرحمة فحتى لو أنا نسيت، أَبْقى بابَه مفتوحاً للرجوع إليه، فإذا رجعتُ إليه عز وجل؛ رجع لطفه ورحمته وتقريبه لي مصداقاً لقوله: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) .
ومصداقا لما جاء في الدعاء الشريف:
(…فلم أر مولى كريمًا أصبر على عبد لئيمٍ منك عليّ يا رب، إنّك تدعوني فأولي عنك، وتتحبب إلي فأتبغض إليك، وتتودد إلي فلا أقبل منك، وكأن لي التطول عليك، فلم يمنعك ذلك من الرحمة لي والإحسان إلي التفضل علي بجودك وكرمك…)
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ذاكرين له غير غافلين عن ذكره.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.



