الأحد 8 نوفمبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

النخلة الجدة

فوزي آل غريبالأحد 8 نوفمبر 2026، 3:23 م
النخلة الجدة

ماتت النخلة العتيقة خلف منزلنا، ومات معها شيءٌ من طفولتي.

وقفت هناك عمرًا طويلًا، شامخةً، ترفع رأسها نحو السماء، كأن السنين لم تكن تمرّ بها، بل تمرّ من تحت ظلّها. شهدت وجوهًا تكبر، وأخرى تغيب، وأيامًا تتبدّل، بينما ظلّت في مكانها تحفظ للمكان ذاكرته.

وفي مساء لقائنا الأخير، رأيتها تسند جذعها المتعب إلى جدار منزلنا. لم تكن كما عرفتها؛ بدا عليها وهن السنين، وانحنت بعدما طال بها الوقوف. وقفت أمامها أتأملها، وشعرت، لسبب لا أعرفه، أنها تنظر إليّ؛ كأن في صمتها حكايةً طويلة تريد أن ترويها، وكأنها تودّعني دون كلام.

كان ذلك آخر لقاء بيننا.

جفّت وحدها، وتعبت وحدها، ثم سقطت ذات ليلة. لم يوقظني سقوطها، لكنني حين رأيت مكانها، شعرت أن شيئًا أعرفه منذ طفولتي قد رحل دون أن أودّعه.

بقي الجدار، وبقيت الأرض، وبقيت الأشياء في مواضعها، ومع ذلك لم يعد المكان كما كان. بدا الفراغ خلف المنزل أكبر مما ينبغي، كأن النخلة كانت تشغل من حياتنا مساحةً لا نراها.

وعندما غابت، لم أرَ في مكانها شجرةً ماتت فحسب؛ رأيت جدتي. كانت جدتي نخلة منزلنا الأخرى.

عاشت بيننا تداري الخواطر، وتمنح من حولها الحب والحنان والأمان. كان لها من النخلة شيءٌ كثير: الصبر، والثبات، والظل الذي يتّسع للجميع. تعطي دون أن تسأل عمّا سيعود إليها، وتمنح دون أن تنتظر مقابلًا.

كان الجلوس إليها يبعث في النفس طمأنينةً لا تحتاج إلى تفسير. وفي كلماتها البسيطة كانت تختبئ حكمة أعوام طويلة؛ حكمة تعلّمتها من الحياة، من أفراحها وأوجاعها، ومن الأيام التي عبرتها بصبر.

ما زلت أذكر جلوسي إلى جوارها، أمسك بيدها، وأنظر إلى عينيها اللتين كانتا تختصران حكايات عمر كامل. كنت أستمع إليها دون أن أدرك، آنذاك، أن بعض الكلمات التي نسمعها عابرةً تصبح بعد رحيل أصحابها أثمن ما نملك.

ومضت السنوات، وبدأ التعب يتسلّل إلى جسدها شيئًا فشيئًا. أصبحت الأعمال التي اعتادت القيام بها أثقل من ذي قبل، وصرت أراها تبذل جهدًا فيما كان يمرّ من يومها بسهولة. كنت أشعر بالعجز أمام تعبها؛ أحبّها، وأتمنّى لو أستطيع أن أحمل عنها شيئًا منه، فلا أجد إلا أن أدعو الله أن يحفظها ويلطف بها.

لهذا أعاد إليّ جذع النخلة المتكئ على الجدار صورة جدتي في سنواتها الأخيرة. كان في ذلك الميل الهادئ تعبٌ أعرفه، وفي صمتهما ما يشبه قولًا لم تنطقا به:

لقد وقفت طويلًا، ومنحت ما استطعت، وحان وقت الراحة.

ظلّت كلتاهما واقفةً ما استطاعت، ومنحت من حولها أكثر مما أخذت، وتركت أثرًا أكبر من المساحة التي كانت تشغلها. وحين جاء الغياب، فهمت أن بعض الذين نحبّهم لا يسكنون المكان فحسب؛ إنهم يمنحونه معناه، حتى إذا رحلوا استغربنا كيف بقيت جدرانه قائمةً، وتغيّر فيه كل شيء.

كنت أظنّ أنني أتذكّر جدتي حين أستعيد وجهها وحكاياتها، ثم اكتشفت أنني ألقاها في تفاصيل أخرى أيضًا: في كلمة أقولها فأنتبه إلى أنها كانت تقولها، وفي موقف تعود إليّ فيه نصيحتها، وفي خاطر يدفعني إلى مساعدة أحد، فأتذكّر كيف كانت تمدّ يدها دون تردّد.

وهكذا بقيت جدتي. لم تعد تجلس في مكانها، لكن كلماتها ما زالت تجد موضعها في أيامي. أسمع صداها كلما وضعتني الحياة أمام موقف يشبه ما حدّثتني عنه يومًا، وأفهم بعض ما قالته متأخرًا، فأودّ لو أجلس إليها مرةً أخرى وأقول لها: الآن فهمت.

لعلّ هذا من أشدّ ما يوجع في الفقد؛ أن تنضج فينا أسئلةٌ بعد رحيل من كنّا نحبّ أن نسألهم، وأن يصبح لدينا من الكلام ما لم نعرف كيف نقوله وهم إلى جوارنا.

ومع ذلك، لم تترك لي جدتي الحزن وحده. تركت حنانًا قديمًا أستند إليه، وحكاياتٍ أعود إليها، وإيمانًا بأن الخير، مهما بدا صغيرًا، يستحقّ أن نفعله. ومنها تعلّمت أن أجمل إرث يتركه الإنسان قد يكون شيئًا لا تراه العين، لكن القلب يعرف كيف يحتفظ به.

ومنذ ذلك الحين، كلما نظرت إلى مكان النخلة، لم أعد أرى الفراغ وحده. أرى سنوات طويلة من الصبر، وظلًّا كان يتّسع لنا، وجذعًا قاوم الريح والحرّ والسنين. وأرى جدتي؛ كأن الذاكرة تأبى أن تترك المكان خاليًا، فتردّ إليه شيئًا ممّا أحببت.

وربما في كل منزل «نخلةٌ جدة»؛ جدةٌ أفنت عمرها في احتضان أسرتها، أو أمٌّ جعلت من تعبها راحةً لأبنائها، أو أبٌ ظلّ واقفًا في وجه قسوة الأيام ليخفّف وقعها عليهم، أو إنسانٌ عاش يمنح من وقته وقلبه للآخرين.

أناسٌ يشبهون النخيل؛ لا يتحدّثون كثيرًا عمّا يمنحون، ولا يطالبون أحدًا بثمن ظلالهم. نألف حضورهم، ونطمئنّ إلى وجودهم، وقد نؤجّل الجلوس إليهم والكلام معهم، كأن الوقت سيبقى متاحًا دائمًا. وحين يرحلون، نلتفت إلى المساحة التي تركوها خلفهم، فنعرف كم كانوا كبارًا، وكم كنّا نحتاج إلى يوم آخر معهم.

لا يعيد الأثر يدًا نشتاق إلى الإمساك بها، ولا صوتًا نتمنّى سماعه، لكنه يصل ما انقطع بطريقة أخرى. كلمةٌ قالتها جدتي لي قد أقولها يومًا لمن يحتاج إليها، وحنانٌ منحتني إيّاه قد يجد طريقه من خلالي إلى قلب آخر. هكذا يمتدّ شيءٌ من حياتها في حياة لم تعرفها، ويصل خيرها إلى أشخاص لم تلتقِ بهم.

واليوم، حين أتذكّرها، أشعر أن الوفاء لها لا يكون بالحزن وحده، وإنما بأن أواصل شيئًا ممّا بدأته؛ أن أمدّ يدي لمن يحتاجها، وأن أجبر خاطرًا حين أستطيع، وأن أترك في حياة من ألتقي بهم أثرًا طيبًا، ولو كان صغيرًا.

أريد أن أزرع أنا أيضًا شجرةً في هذه الحياة، تكون لها جذور في قلوب الناس؛ شجرةً من كلمة طيبة، وموقف نبيل، ويدٍ تمتدّ عند الحاجة. لعلّها تكبر يومًا، ويستظلّ بها آخرون، ثم يحملون منها بذورًا يزرعونها في حياة غيرهم.

كلما صنعت خيرًا علّمتني إيّاه جدتي، شعرت بأن نخلةً قديمةً ما تزال شامخةً في مكان ما من قلبي. وعرفت أن النخلة التي سقطت خلف منزلنا أخذت جذعها، وتركت لي ظلّها؛ أحمله في ذاكرتي، وأعود إليه كلما اشتدّ بي الحنين.

وكذلك جدتي، رحلت عن عيني، لكنها لم ترحل منّي.

فبعض الراحلين لا نودّعهم؛

نحن فقط نواصل الحياة بظلّهم.