ما عَرفت قَدْر نَفْسك!

من يُدخل نفسه في أمور لا علاقة له بها ويخوض غِمار تحديات أكبر من إمكانياته يكون عرضة لِسماع العبارة الشائعة: "اعْرف قَدْر نَفْسك".. قِيام الشخص بتصرف أو فعل أو اقتراح رأي لا يروق أو يلقى رضاء واستحسان الطرف الآخر لا يعني أنه يستحق سماع مثل هذه العبارات، هي عبارة كثيرًا ما يرددها الأشخاص المختصون في تَثْبيط عزيمة وإرادة الآخرين لعدم المضي قدمًا نحو تحقيق أهدافهم.. نعم من الضروري جدًا للفرد قبل البدء في عملية التنفيد لفكرة أو مشروع ما، دراسة إمكانياته من جميع النواحي المهارية واللوجيستية والمالية وتحليل النتائِج المُتوقعة على المدى القصير والمدى البعيد لتقليل المخاطر -لا قدر الله- وعدم الإضْرار بمصالح الآخرين.. من لم يكن النجاح حليفه في تجربة ما، سيجد نفسه مبدعًا في تجربة أخرى أكثر تناسبًا مع الإمكانيات المتاحة، ولكن يجب ألا تكون عِبارة: "اعْرف قَدْر نَفْسك" وما على شاكِلتها من العِبارات المشحونة بالسلبية حجرَ عثرةٍ في طريق تحقيق الأمنيات.
هي عبارة تحمل في طياتها ما يكفي من السلبية لِإنْهاء أو تَوَقُفْ مَسيرَةْ شخص طموح كان بإمكانه أن يذهب أبعد من ذلك ويكون عضوًا فَعالًا في محيطه.. لماذا نستبق الأحداث ونحرم الآخرين حتى من نيل شرف المحاولة والاستفادة من أخطائهم؟ لماذا لا نعطي الآخرين الفرصة للمحاولة تحت سَقف المخاطرة المُحدد مسبقًا ومن ثم الحُكم على نَتائِجَهُم؟ إذا كنا فعلًا من أصْحاب الخبرة في ذلك المجال وأرائنا وتعليقاتنا مبنية على أسس علمية أو مقتبسة من تجربة عملية شخصية فلماذا لا نقوم بتوجيهم وإرشاردهم إلى الطريق الصحيح بدلًا من إجهاض محاولاتهم؟ هل الخبير ولد خبيرًا أم تدرج في التجربة والمعرفة حتى أصبح على ما هو عليه؟
بعيدًا عن مواضع الاستخفاف أو الشتم أو الاستنقاص بمقدرات الآخرين والسلبية المفرطة، تطلق عبارة: "ما عرفت قَدْر نَفْسك" للأفراد الذين يَملكون طاقات قد يكون لها شأن عظيم لو تم توظيفها واستغلالها بالشكل الصحيح.. عبارة فيها من الإيجابية ما يَنْقُصْ شخصٌ لإعادة اكتشاف نَفْسُه وربما تغيير مسَاره العلمي أو العملي إلى مجال آخر يُدون فيه اسمه بين صفوف المتفوقين والمبدعين.. للأسف يوجد كثير من الأشخاص يَملكون مواهب ومهارات ولكنهم يجهلون قِيْمَة ما يملكون وما يمكنهم تَحْقيقه، في الوقت الذي يسعى فيه الآخرون لاكتساب أو تطوير مثل تلك المهارات.. الجَهْل ليس عَيبًا، ولكن من المؤسف ألا تُحْسن استخدام نقاط القوة بعد تحديدها لك من قِبَل المُراقِبين أو المُقَرَبين.
يجب أن تكون مُلاحظات الآخرين والثَنَاء على ما تملك من نقاط قوة عاملًا لزيادة الثقة بالنفس ومحفزًا لاسْتِغْلال تلك المهارات وتحويل الأفكار المُجْدية إلى واقع ملموس أو مساعدة الآخرين لاِكْتِساب أو تطوير مثل تلك المهارات.. الاستخدام المستمر والأمثل للمهارات يساعد على تعزيزها والذي من شأنه أن يُحْدث تغيرات إيجابية تنعكس آثَارُها على الفَرْدْ في الدرجة الأولى ليكون نموذجًا ومن ثم المحيط الذي يعيش فيه خصوصًا أنَنا نَنْتَمي إلى مُجْتَمَعات تَتَعَلَمْ وتَتَأثَرْ كثيرًا بما تُشَاهده.
وفي بعض الأحيان لا تكون مَهارة بالمعنى العلمي لتعريف مهارة (القدرة على أداء عمل بحذق وبراعة) ولكن تكون بادِرة لمشروع مَهارة يستحق الدراسة والرعاية والتطوير على غِرارْ ما يقوم به كشافو الأندية في مراقبة المواهب الرياضية في بعض دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية ومن ثم إلحَاقُها بأكاديميات الأندية الكبرى في أوروبا، كذلك نحن مسؤولون عن الأخْد بأيدي مَن يَهُمُنا أمرُهُمْ ومَساعَدَتَهُمْ في اكْتشِافْ وتطوير ما يملكون من مهارات لتحديد مساراتهم العلمية أو العملية وما يتناسب مع رَغَباتُهم وقُدَراتُهم الشخصية.
قد تَسْمَعْ في يوم من الأيام عِبارة: "اعْرف قَدْر نَفْسك" من شخص يَجْهَلْ من تكون وما هي حدود إمكانياتك حتى قبل أن تَبْدأ القيام فيما كنت تخطط له، ولكن عندما تَسْمَعْ عِبارة ما عرفت قَدْر نَفْسك تَيَقَنْ أنْها صادِرَة حتمًا من شخص مُحِبْ للآخَرينْ ويَعْلَمْ من تكون ويَعْلَمْ ما يمكنك فعله بما تملك من مَعْرفة ومَهارات وسُلُوك.. أسْتَشْهد في هذا المقام بمقولة الدكتور غازي القصيبي: "من شجرة واحدة تصنع مليون عود كبريت ويمكن لعود كبريت واحد أن يحرق مليون شجرة؛ فلا تدع أمرًا سلبيًا واحدًا يؤثر على ملايين الإيجابيات في حياتك". لذلك الأجْدر بك أن تُنْصِتْ للأشخاص الإيجابيين فهم من سَيُشْعِلْ حَماسَك للتقدم للأمام والتطوير من قدراتك وتحويل نقاط الضعف إلى قوة.. كما يجب علينا كنُقادْ أو قَادة أو مُراقبين أو مُرَبينْ توخي الحَذَرْ في اخْتيار الكلمات عند إعْطاء الملاحظات أو كِتابة التعليقات حتى لا نَكوُنْ سببًا في مَحْق أفكار ومواهب قد يكون لها شأن كبير.. هذا لا يعني إخفاء الحقيقة ولكن يجب مراعاة مشاعر الآخرين فيما نقول ونكتب.



