نبع الطواحين

يسألني الناسُ لماذا أنتَ نبعُ طواحين؟ تنبش وتشربَ من الماضي والحاضرِ والمستقبل وتدورها كأنها نبع طواحين! قلت: إما نبع الطواحين أو نبع الفكر أو نبع المي. بإمكانك أن تهتزَ وتتمايلَ أو لا شيء في حضورِ طواحينِ الهواء وهي كالشمس تمدك بالطاقةِ ولو غطيت عينيكَ عنها بيديك. أما ينابيع الماء التي تتجمع حولها الصبايا، ينقلونَ الماءَ في الجرار، فتمنح الناسَ الروحَ والحياةَ والحضارةَ لم تعد صافيةً هي أو ينابيع الفكر. هل تستطيع أنتَ أن تدلني على ينبوعِ ماءٍ أو فكرٍ لا يصيبه عطب؟ لم ولن يترك البشر ينبوعاً في صفائه!
أقـولُ لأصـحابي وقـد طلبـوا الصـلا
تعالوا اصطلوا إن خفتم القر من صدري
فـإن لهـيـبَ الـنـار بـين جـوانـحـي
إذا ذُكِـرَتْ لَيْـلَـى أحَـرُّ مِـنَ الْـجَمْـرِ
فَـقَالـوا نُريـدُ الـمَاءَ نَسْـقِـي وَنَسْتَقِي
فقلـت تعـالـوا فأستقـوا المـاء من نهري
فَـقَالوا: وَأَيْـنَ النَّهْرُ قُلْتُ: مَـدَامِعِـي
سَيُـغْنِـيكُمُ دَمْـعُ الْجُفُـونِ عَنِ الْحَفْرِ
فقالوا: ولـم هـذا فقلـت: من الهوى
فَـقَالُوا: لَحَـاكَ اللّه، قُلـتُ: اسْمَعُوا عُذْرِي
ألم تعرفوا وجهـاً لليـلى شعاعـه
إذا برزت يغني عن الشمس والبدر
وبعدها كل الناس البسيطة محتاجةٌ نبعَ الطواحين، لما لا؟! يعمل معظم سكان العالم ساعاتٍ طويلة من أجل ربما شيء من الخبز دون إدام وخرقة ثيابٍ ممزقة على ظهورهم، لا يستطيعون أن يشتروا جديداً قبل أن يبلى القديم. من يقدم لهؤلاء الناس أفلاماً ومسارحَ ينامون في وقت العرض، أماكنَ يدفعون فيها مبالغَ قليلة ليسَ للفكرِ ولكن للنومِ والراحة. لا يحتاجونَ كثيراً من العقدِ يفكون رموزها مثل العالم المترف؟ بطلٌ فقيرٌ منهم ينط فوقَ كل الحواجز، لا يخترق جسده الرصاص ولا يموت!
إذاً، من يطحن الذكريات التي تحكي وجع الناس وأفراحهم؟ أكيدٌ أن الحكماءَ والفلاسفةَ لن يصفقوا لصاحب الطواحين، لكنه يكفيه الناس الذين يجرهم إلى ينابيعِ الطواحين، يحكي حكاياتهم، ينتشل عواطفهم من وادي الضعف ويرميها على هضابِ الأملِ أن الغد سوف يكون أفضل. في ينابيع الطواحينِ التأمل في الشكوك وفي اليقين وفي العواطف! في الطواحين تستطيع أن تهمس في آذان الناس ويسمعون، وفي ينابيع الفكر تغرقْ ويغرقون.
ولأنني سفينةٌ تمخر عباب بحار العقول الواسعة تعددت أشرعتي، وعلي أن أختار وأجمع بين الأشرعة التي تأخذها نحو مرساها. في واقعِ الحياة لابد لنا من الطواحين والينابيع فليست الحياة كلها جد أو هزل ولكن شيئاً من هذا وذاك وليس للناس فيما يعشقون مذاهب...
فقلتُ دعوا قلبي بما اختارَ وارتَضى
فـبالقلبِ لا بالعـينِ يبصـرُ ذو اللـبِّ



