أَيُّ شَيءٍ في العيدِ أُهدي إِلَيكِ؟

صبيٌّ في الخامسة أهدى إليه والدهُ بوصلةً أشعلت فيه جذوةَ نار عشق الرياضياتِ والفيزياء. كانت الهديةُ صغيرةً لكنها غيّرت حياته، وبدأ عقله ينشغل بالقوى الخفيةِ التي تعمل وتحرك ابرةَ البوصلة دونَ أن يراها؛ مما جعله ينشد لمعرفةِ القوانينِ الخفية في الطبيعة. قال عن هديته: إنها حفّرت في نفسهِ انطباعاً عميقاً ودائمًا. ليس ذلك الصبي سوى "ألبرت أينشتاين"!
أجمل الهدايا هي تلك التي تأتينا وأجسادنا لا تزال غضةً طريةً تنقش فيها الذكرى كما ينقش في ذاكرتنا أولُ معلمٍ لنا حروفَ الأبجدية. لم تصنع منا الهدايا كلنا علماءَ أو عباقرة ولكنها في لحظةٍ ما أشعرتنَا بأننا لا مثيلَ لنا عند من أعطانا الهدية، بل لا مثيلَ لنا في الدنيا بكليّتها "هي لك أنتَ يا صغيري". وأجمل من الهدايا المادية، هدايا ليس لها ثمن، وهي الكلمات الرقيقة التي تغذينا بالطاقة والشجاعة والرَّبت على أكتافنا خفيفًا ثم تهدأ عواصفنا الصغيرة ونستريح.
ليس فقط بالأكلِ والشرب نكبر ولكن بما يكتبه ويطبعه الكبارُ في عقولنا من أننا سوفَ نملأ الدنيا بالمنجزاتِ وسوف نكون في عدادِ الفاعلينَ في الحياة، كما تقتلنا وتميت مشاعرنا قبل موتها الكلماتُ التي تقلل من قيمتنا وتشعرنا بالخيبة، وأننا لن نكون ذوي قيمةٍ في الحياة. آباؤنا وأمهاتنا ومعلمونَا لديهم أقلامُ القدر، يكتبون على نواصينا نبوءتهم فيما سوف نكون، وأغلب الظن أن حدسهم لن يخيب لأن ما نسمعهُ ونحن في عجينةِ التشكّلْ يسري في دمائنا حتى الموت. "كلٌّ ميسرٌ لما خُلق له" فلو أعطيت فرَّاناً أثمنَ الكتب ربما جعلها لفافاتِ خبز ولو أعطيتَ البوصلةَ لصغيرٍ غير أينشتاين فقد يقذفها في القمامةِ قطعةً قطعة، لكن من يدري بالأقدار؟
لا شيء أرخص ولا شيء أغلى من هدايا الكلمات، هي تحيي وتميت، اهدِها لمن تحب إن ضاقت بك الحال أو اتسعت:
أَيُّ شَـيءٍ فـي العيدِ أُهـدي إِلَيـكِ
يــا مَـلاكــي وَكُـلُّ شَــيءٍ لَـدَيـكِ
أَسِـواراً؟ أَم دُمُـلجـاً مِـن نُـضــارٍ
لا أُحِـبُّ القُيـودَ فـي مِعـصَمَـيـكِ
أَم خُموراً وَلَيسَ في الأَرضِ خَمرٌ
كَـالَّـتـي تَسكُـبـيـنَ مِن لَـحـظَـيـكِ
أَم وُروداً وَالـوَردُ أَجـمَـلُـهُ عِـنـدي
الَّـذي قَــد نَـشَـقـتُ مِـن خَـدَّيـكِ
أَم عَـقيـقاً كَـمُـهـجَـتـي يَـتَـلَـظّـى
وَالعَـقـيـقُ الثَـميـنُ فـي شَـفَتَـيـكِ
لَيسَ عِـندي شَيءٌ أَعَزُّ مِنَ الـروحِ
وَروحــي مَـرهــونَـةٌ فـي يَـدَيــكِ
"إيليا أبو ماضي"



