عشرة أيام.. ما قيمتها في الثقافة؟!

ما إن يطلّ اليوم من شهر محرم إلا ويتسابق النّاس عندنا في تبادل جرعات ثقافية مشربة بالعواطف. هذه الجرعات الثقافية على محدوديتها تساهم في ارتفاع منسوب الثقافة العامّة والثقافة الدينيّة بشكلٍ خاصّ، فيا ليتها كانت القاعدة لا الاستثناء! الثقافة لا تأتي دفعةً واحدة مثل فيضان نهر ماء؛ فلا يستهان بنقطةٍ واحدة منها مشفوعة بالمتابعة والاستقصاء، وبذلك تتكون وتتشكل ثقافة مجتمعيّة أكبر وأغزر!
لا يخفى على المتابع أن في العشرة أيام الأولى من شهر محرم، كل سنة تزداد مصادر الثقافة في منطقتنا، ما يشكل فرصة انتقاء الأجود منها والتعرف على أكبر قدرٍ منها، فهي لا تكون بهذه الكثافة خارج هذه الأيام. ومن يدقق يجد فيها الكثير من المفيد والجديد. نختار الأكل الجيّد واللباس الجيد والمركب الفاخر فحريّ بنا أن نختار ماذا يدخل في رؤوسنا من موادّ أهم من الأكل واللباس! على أن لا موسم يمكنه إغناء المرء عن القراءة اليوميّة والتثقيف الشخصيّ، فهو واجب عينيّ لا يمكن لآخر أن يملأه مهما كان سعة الثقافة التي يبثها ويسقيها غيره.
يستطيع القارئ الكريم أن يحصل على ثقافته من مصادر مختلفة ويضيف لها قيمةً أكبر عندما ينميها - هو - ويكبرها بالمتابعة والاستزادة من الجيد منها، بذلك يبتعد عن الوقوف على حافة المعرفة، فلا يهوي في أبسط إِشكال، بهزّة خفيفة!
الناس عندنا يقولون عن هذه المناسبات إنها عِبرة وعَبرة؛ أما العَبرة فهي رقة القلب والعِبرة هي استطلاع الفائدة العامة من المواسم المتكررة. ليت منسوب الثقافة يكون بهذا العلوّ في جميع أيام السنة! وبما أن هذا غير ممكن، إذًا من الأجدى استحضار أكبر قدر من الفائدة في هذه المدة المحدودة. "ما لا يدرك كله لا يترك جله"! محاضرة جيّدة، كتاب، تثمل طوبة فوق طوبة تبني جدارًا من ثقافة تاريخية وأدبية ودينيّة وثقافة عامة.
إنه لمن الظلم ألا يعتني المسؤول عن تقديم ثقافةً جماهيرية باختيار المادة جيدًا ودراستها قبل تقديمها وكأنّ الحصة الثقافية تحصيل حاصل، دقائق وتنتهي ويكفينا الصوت الجميل الشجيّ! نظرة واحدة نرى فيها أن الشريحة الكبرى والسواد الأعظم الذي يستفيد من الثقافة الموسمية هم الشبّان وصغار السنّ الذين لم تكتمل ثقافتهم وهم يتعرضون في هذه الآونة لشتى أصناف الثقافة الغريبة، ومع ذلك يحضرون ويشاركون بكلّ شغف في المناسبات الموسمية!
أما أنت القارئ الكريم، إذا ما راودك الشوق إلى المساهمة في إحدى الثقافات الموسمية، لا تتردد في المشاركة وبادر بالكتابة أو الاطلاع على الجيّد مما يُكتب والاستماع إلى نخبة من المحاضرين وإلى إبداء الرأي المنصف والمفيد لهم فيما يقدمونه من موادّ خطابية.



