الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

هل تعرف مكانًا ليس فيه ساعة؟!

هلال الوحيد · القطيف اليومالخميس 31 أغسطس 2023، 9:10 م
هل تعرف مكانًا ليس فيه ساعة؟!

خمسة وخمسون مليون دولارًا قيمة ساعة، أكثر من مائتي وستة ملايين ريال! في سنوات شبابنا كنا نتمنى أن نشتري ساعة - ولو بمائة ريال - نزيّن بها أيدينا ونعرف بها الوقت؛ أيّ ساعة! أول راتب في الإجازة الصيفية أو مبلغ نجمعه بعد مدة، أول الأشياء التي نشتريها ساعة! ساعة بريالات قليلة وتعطي الوقت في دقة ساعة من صنع سويسرا قيمتها مئات الآلاف من الريالات أو مئات الملايين، إذا كانت الساعة للوقت فقط!

انتشرت الساعات بصورة ملفتة، في اليد والسيّارة والحاسب الآلي، في جهاز الاتصال المحمول، الثلاجة، فرن الطبخ والمدرسة والمسجد والسوق والمشفى، لا مكان حولنا ليس فيهِ ساعة. وعلى كثرة الساعات القليل منا يحترم الوقت والمواعيد. الكل في عجلة، الشوارع مزدحمة لأن الوقت ليس له قيمة فإما أن نخرج متأخرين أو قبل وقتٍ لا يكفي للوصول بأمان ودون عجلة.

كثرة الساعات وارتفاع أثمانها لا يعني أننا ندرك قيمة الوقت ولا كثرة المال تعني أننا أغنياء. كم منا يصدق في المواعيد؟ من يتأخر دقائق نقول عنه ممتازًا! أما الذين لا يحافظون على موعد بينك وبينهم فهم لا يعدون ولا يحصون! الساعة الرخيصة هي الأثمن عندما نعرف قيمة الوقت والساعة المصنوعة من الألماس لا تساوي فلسًا أحمر إذا لم نعرف قيمة الوقت.

إلا مكانًا واحدًا لا يحتاج أهله إلى ساعة! هناك تتوقف كل الساعات فالزمن لا معنى له. سكان المكان لا دوام عمل عندهم ولا يمرضون ولا يموتون ولا يضجرون، ليس لهم شغل بالوقت أصلًا! هذا المكان يسميه الله سبحانه الجنة لكي يقرب لأذهانِنا فكرة حلاوة المكان وغرابته وجماله. أجمل ما في الجنة مفهوم الخلود الأبديّ الذي لا ينقطع الزمن فيه فترى القرآن الكريم لا ينفك يذكر أن الجنة والنار دائمتان باقيتان، من يدخل الجنة فاز ومن يدخل النار فالرجاء أن تشمله رحمة الله لاحقًا وعفوه - إن كان من غير المستثنين من العفو.

على خلاف أهل الجنة فأكثر ما يشغل بال أهل النار الوقت؛ "ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ"! يرجون ولو يومًا واحدًا يخفف الله عنهم العذاب، كل لحظة تمر عليهم يتمنون أن لو وجدوا مخرجًا أو نهاية للعذابِ الأليم. ينتظرون انتهاء المحكومية باللحظة والثانية!

أنا وأنتم نتفق أن الأمة التي تعتني بالوقت الحقيقيّ - لا الساعة الثمينة في المعصم - تتقدم في الدنيا والذي يعرف معنى الوقت الحقيقيّ فله الجنة في الآخرة. الجنّة الدائمة التي يهبها الله لنا مقابل سنوات قليلة من الانضباط والطاعة وإن كان في حدودها الدنيا! الساعة والجنة متلازمتان فمن يقدر الساعة والوقت ويعمل فله الجنة ومن لا يقدر الساعة له الغبن والخسارة مهما غلا ثمنُ الساعة في معصمه.

السرّ في الساعة أنها الآلة الوحيدة التي لا تعود للوراء أبدًا، تبدأ المسير من نقطة ألف إلى نقطة ياء ولا تعود عقاربها إلى ألف مطلقًا شئنا أم أبينا.