ليتها تموت!

وقفنا في اليوم الأخير لامتحاناتنا الثانوية أمام المقعد الذي شهد الكثير من ضحكاتنا، ومناكفاتنا.
عليه كثيرًا كانت تجلس سميرة بجدائل شعرها الفاحم ونحن نحوم حولها كما تحوم الفراشة حول الضوء، لعينيها بريق مميز يجذبك نحوها وبشدة، براءتها تحتويك لدرجة أنك تحس أن دقات قلبها تصل لأذنيك! كم تولت شرح الدروس لنا وبكل حب!
ومن أمام هذا المقعد تفرقنا لنجلس على مقاعد الدراسة الجامعية، فسلكت كل واحدة منا وادياً، إلا سميرة خطفها فارس الأحلام ومضى بها بعيداً.
لم نعد نسمع أخبارها، مضت السنوات، تخرجنا، قررنا أن نقيم لنا حفل تخرج خاص بدفعتنا فما زال في القلب نبض حنين للرفقة القديمة.
كونّا فريق عمل وبين إعداد تواصل وترتيبات بقي مكان سميرة خالياً، وضعنا صورة مقعد المدرسة بحجم كبير وكتبنا عليه اسمها، وأحطنا به.
لقد أصبحنا معلمات، طبيبات، مهندسات، أديبات، محاميات، والفضل بعد الله لسميرة! كم كنا نتشوق أن تكون بيننا!
في يوم حار شديد القيظ وأنا أباشر عملي وألملم أوراقي قاصدة التوجه للمحكمة لأداء عملي، طرقت مساعدتي الباب وقالت لدينا قضية طارئة وصاحبة القضية تنتظر الإذن بالدخول! نظرت للساعة فوجدت أني لدي بعض الوقت فأشرت لمساعدتي أن تسمح للسيدة بالدخول، كنت غارقة بين أكوام أوراق مرافعاتي فلم أنتبه لدخولها، وبعد مضي برهة من الزمن رفعت رأسي!
هاتان العينان أعرفهما، عصي علي نسيان توهجهما، نعم هي بعينها! لم أشعر بنفسي إلا وأنا أقف احتراماً لها وأضمها بكل الشوق والحنين وكأني طفلة صغيرة عثرت على والدتها بعد طول غياب!
سميرة، نعم سميرة، ما بك لماذا أنت هنا؟
أنا جئت أطلب الطلاق وأريد مساعدتك.
أنا بخدمتك ولك علي حق تنوء بحمله الرقاب الأمينة.
ولكن أخبريني لماذا؟
شرعت تحكي حكايتها وتبدى الألم بين حروفها مراً حارقاً.
تزوجت برجل شهم طيب، لم أر منه إلا كل خير عشنا سنوات الغربة وكل منا غارق في عالم شريكه، لم نقف أمام مشكلة لنتركها تعبث بحياتنا، رزقنا الله بالبنات والبنين، ولم تعد الغربة لنا إلا وطناً حنوناً. ساعدت الكثير من الفتيات المغتربات، كنت لهن السكن والأخت.
وفي يوم جاءنا خبر وفاة زوج حماتي الوحيدة (أخت زوجي) هي من تولت تربية زوجي بعد وفاة والديه. وهنا حدث زلزال ضخم في حياتي بعد هذا الحدث فبالرغم من أن لها ثلاث بنات بوظائف مرموقة إلا أن زوجي قرر إنهاء مشواره الدراسي بعد أن كان في نهاية مشوار التحضير للدكتوراه.
جعل من نفسه المسؤول الأول عن كل شؤونها بالرغم من مسؤولياته الضخمة، وبدوري شجعته على أن يراعيها لأنها بمقام أمه، شيئاً فشيئاً بدأ يقل اهتمامه بي وبالبيت والأولاد، أصبح يحرص على زيارتها يوميًا تقريبًا أما احتياجاتنا فهي مشاريع مؤجلة.
يمضي اليوم والشهر والسنة والوضع لم يتغير، أهملني وأهمل بناته وأولاده حتى وصلت لدرجة أني أصبحت أتمنى موتها! نعم أتمنى موتها، لم يعد لي مكان في حياته، وأريد الخروج منها.
نظرتُ بعمق في عينيها وقد انطفأ بريقها، بحثت عن براءتها فوجدتها تنزف بطعنة غادرة من سكين الإهمال تحت ذريعة رعاية أخته حتى باتت تتمنى موتها، أيها الزوج الغافل لقد أضعت جوهرة ثمينة لا تقدر بثمن، استيقظ من حلم الإيثار المخادع وتذكر قول الله تعالى (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ).



