الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عَلي النَّاصر.. العُمدة.. رَحيلٌ مُفاجِئٌ أوجعَ قلوبَ محبيه

سمير آل ربح · القطيف اليومالإثنين 28 أكتوبر 2024، 11:43 ص
عَلي النَّاصر.. العُمدة.. رَحيلٌ مُفاجِئٌ أوجعَ قلوبَ محبيه

جاء خبر رحيله كالصاعقة على أهله وأصدقائه وجيرانه وزملائه. ما إن وضع أحد المؤمنين إعلان انتقاله للملإ الأعلى في (قروب) الحي، يوم الاثنين 21 أكتوبر 2024، حتى انكتمت أنفاسي وحُبست كلماتي، فلم أنبس ببنت شفة، واكتفيت برمز قلب مكسور من هول المفاجأة! إذ كان معي في مجلسي الأسبوعي قبلها بليلة واحدة فقط (ليلة الأحد). جاء متأخرًا وهو يخبرني أنه للتوِّ رجع من الأحساء، فأخذ (دُش) على عجل وبدَّل ملابسه وجاء ملتقيًا إخوانه المؤمنين، على عادته في إعطاء هذه القيمة (الإخوة الإيمانية) حقَّها.

إنه الأخ المؤمن الشاب علي بن أحمد الناصر من قرية القرين في محافظة الأحساء، الشهير بكنيته (أبو حسن). بدأت علاقتي معه بمبادرة منه، قبل نحو أربع سنوات حين انتقلت للسُكنى في ضاحية الملك فهد، الحي الخامس – المركز. حينها لم أكن أعرف أحدًا. جئتُ غريبًا مستوحشًا في هذا الحي، أحمل معي هواجس الانتقال من بيئة نشأتُ فيها وترعرعتُ إلى بيئة لا أعرف عنها شيئًا، أقدِّم رِجلًا وأؤخر أخرى. ما إن حطَّت ركابي في هذه الأرض الجديدة، حتى جاءني رَجُلٌ بَاسِمُ الثَّغر جميلُ المحيَّا مرحّبًا بي معرِّفا بنفسه: أنا علي الناصر، جارك المقابل، لا يفصل بيننا إلا الشارع، فمنزلي يقع مواجهًا لمنزله. أخذ يعرِّفني على ساكني الحي واحدًا تلو الآخر، يعرِّفني أسماءهم وبلداتهم التي قدموا منها، بل أخذ ينظِّم لنا لقاءات بين الجيران بعضهم بعضًا، ويزودنا بأخبار الحي وتطوراته التنموية؛ وبهذا كان أبو حسن واحدًا من عوامل تبديد الغُربة وبناء الأُلفة لكل من يلتقي معه؛ إذ كان من أوائل سكَّان الحي الخامس – المركز.

وربما لا أبالغ إن قلت إنه أكثرُ رَجُلٍ له حضور في هذا الوسط واستطاع أن يبني علاقة مع من حوله، من دون فرق بين أبناء الحي وإن اختلفوا معه مذهبيًا، ولسان حاله: كلنا أبناء وطن واحد، تجمعنا أرض واحدة، وننضوي تحت رايته، والإسلام بقيمه وتعاليمه وأخلاقه هو الجامع لنا؛ ولذا أنا أطلقت عليه من باب الفكاهة (العمدة). عمدة الحي لكثرة اهتمامه ومزيد عنايته بجيرانه متفقدًا أحوالهم، بل كانت له مساهمات أخرى تتمثل في الوقوف مع من عرض له طارئ بحاجة للمساعدة وللتخفيف عنه، اتباعًا لتعليمات الإسلام في حقوق الجار والوقوف معه. فقد روى رسول الله (صلى الله عليه وآله): "أحسن مجاورة من جاورك، تكن مؤمنًا"، وعن الإمام علي (عليه السلام): "من حسن الجوار تفقد الجار". (ميزان الحكمة، محمدي الريشهري 1/ 486).

وهو بهذا مصداق للآية الكريمة: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾ [النساء]، والأحاديث كثيرة مروية عن أهل البيت (عليهم السلام)، منها ما روي الإمام الصادق (عليه السلام): "عليكم بحسن الجوار؛ فإن الله أمر بذلك"، وعنه (عليه السلام): حسن الجوار يزيد في الرزق". (يُنظر: ميزان الحكمة، محمدي الريشهري 1/ 486).

وإني لأجزم بأن هذه الشهادة للمرحوم أبي حسن يقر بها كل جيرانه؛ لأن كل واحد منه له موقف، بل مواقف. ومن المعتاد أن يقف على باب منزله يتحدث مع هذا الجار وذاك، سائلًا عنه وعن أحواله، مخبرًا له عن جديدِه، حتى أبنائي له مواقف معه وأحاديث، وهو يعكس مقدار حضوره في قلوب من عرفه وصادقه وأقام علاقة طيبة معه.

في الشهور الأخيرة واجهته مشاكل وصعوبات أخذت منه مأخذًا، فانقطع عنَّا، وما عدنا نرى طلته البهية. فوجئنا بذلك! لاحقًا رأيته وقد انخفض وزنه انخفاضًا كبيرًا. كنت أسأله عن سبب ذلك، فيَسِرُّ لي بعض همومه، ويتحدث لي عن بعض معاناته، لكنها كانت أكبر بكثير من كلماته المتقطعة، ومن حديثه المبتور. حاول أن يرمِّم ما حدث له، لكنه الموت كان يشق طريقه إليه. هذا الموت هو نهاية المنغصات، بل هو (الموت) ريحانة. عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: "الموت ريحانة المؤمن" (بحار الأنوار، العلامة المجلسي، 79/ 168). قال الشريف الرضي: "وهذا القول مجاز، والمراد أن المؤمن يستروح إلى الموت تغوثًا من كروب الدنيا وهمومها وروعاتها وخطوبها، كما يستروح الإنسان إلى طيب المشمومات، ونظر المستحسنات". (المجازات النبوية، الشريف الرضي، ص 210).

والموت تحفة المؤمن. عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "تحفة المؤمن الموت"، بل "أفضل تحفة المؤمن الموت"، كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام). (ميزان الحكمة، محمدي الريشهري 4/ 2961). وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "ما شَبَّهتُ خروجَ المؤمن من الدنيا إلا مثل خروج الصبي من بطن أمه من ذلك الغم والظلمة إلى روح الدنيا".

وعلاقته بإخوانه المؤمنين لا تضيع عند الله سبحانه، فأول ثمارها عند قَبْضِ روحه. عن الإمام الصادق (عليه السلام): "أما المؤمن فما يحس بخروجها (أي خروج روحه)، وذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر] ذلك لمن كان وَرِعًا مواسيًا لإخوانه وصولًا لهم". (يُنظر: ميزان الحكمة، محمدي الريشهري 4/ 2961).

وكان لي موقف الوداع، قبل ليلةٍ من رحيله حين كان جالسًا مستريحًا في مجلسي، ومعي ثلة من المؤمنين، وهو يحادث جاره أبا أحمد، فلما حانت ساعة انصرافه، قمتُ له مودِّعًا، وأنا لا أعلم أنه الوداع الأخير. رَبَتُّ على كتفه، وهمستُ في أُذنه: أريد أن ألتقيك، وأتحدث إليك!، لكن ذلك لم يحصل في هذه الدنيا الدنيِّة، فهل يحصل في العالم الآخر؟ وبالله المستعان، فهو خير مُعين.

إننا بفقدك يا أبا حسن، نفقد رجلًا طيبًا وأخًا مؤمنًا وجارًا صالحًا، لم نرَ منه إلا خيرًا، ولم نسمع منه وعنه إلا خيرًا. اللهم اكتب لنا هذه الشهادة عنه، واجعله عندك في أعلى عليين، واخلف على أهله في الغابرين، واجعله من رفقاء محمد وآله الطاهرين، صلواتك عليهم أجمعين، وعندك نحتسبه يا ربَّ العالمين.