يوم اشتهيتُ «الكنديشن».. من ذكريات الكويت مع المرحوم الأخ الملا أحمد الوحيد!

ما زلتُ أتذكر بعضَ المواقف الطريفة التي حصلت في مرحلة طفولتي في السفر مع الأخ -رحمه الله تعالى- إلى العراق والكويت والأحساء والبحرين. سافرنا إلى دولة الكويت في فترة الإجازة الصيفية في أواخر الستينات من القرن الماضي ومطلع السبعينات، لا أذكر كم مرة، لكن أكاد أجزم أنها مرات، وفي كل مرة على ما أتذكر نذهب للعراق ثم نعود للكويت ومنها إلى القطيف.
جزيرة تاروت آنذاك ليس فيها كهرباء منتظمة ولا بيوت راقية ولا أسواق؛ جزيرة بسيطة جدًّا تقع على ساحل البحر، فيها دكاكين قليلة يبيع ملاكها بعض لوازم الحياة اليومية وأغلب سكانها من محدودي الدخل. لذلك لم آسف كثيرًا على الهروب في إجازة، وإن كانت إجازة متعبة، إلا أنها تستغرق شهرًا أو أكثر بعيدًا عن الرطوبة الشديدة والصيف القاسي، دون مكيف هواء أو مروحة تلطف الجو!
سكننا في الكويت يكون في الحسينية الجعفرية، قرب الأسواق الممتلئة بالأشياء الجميلة، تأخذني دهشة كبيرة من الأشياء المعروضة لأنني لم أرها من قبل. أغادر الحسينية وقت الجلسة المعتادة كلّ صباح وأمشي في الأسواق أتفحص الملابس الجميلة والأحذية الجلدية، فوق طاولات العرض وخلف الزجاج، وأصوات الباعة والعتّالين في سوق الخضروات والفواكه، دون أن أشتري لأن جيبي فارغ من النقود. الحركة متاحة والزحام قليل لأنّ الكثير من سكان الكويت يسافرون إلى بلدان أقل حرارة!
في فترة الظهيرة، نأخذ قيلولة، أنا وأخي، في الحسينية المجهزة بأجهزة تكييف جدارية، تعتبر أجهزة قديمة الآن، إلا أنها باردة. تبث الهواء البارد فأنام بعمق شديد بسبب التعب من المشي تحت أشعة الشمس، حتى يوقظني المرحوم أخي أو العامل الأهوازي ثقيل السمع السيد جبار.
الكويتيون يسمون مبرد الهواء "كنديشن". أعتقد أنهم حرفوا الكلمة الإنجليزية Air Conditioner وعرّبوها وهي تعني مكيف هواء. تمنيتُ أن لو اشترى أخي واحدًا من هذه الأجهزة من الكويت، نأخذه إلى البيت في جزيرة تاروت، ننام في الهواء البارد، ترقبت لحظة الشراء التي لم تحصل مطلقًا. بعد كل سفرة نعود ونقضي ما بقي من أشهر الحرّ والرطوبة في جزيرة تاروت حتى وصلت الكهرباء الرسمية وصار عندنا مكيف هواء.
هذه الذكريات تبدو فارغة من المضمون إن لم ننتبه إلى تغير أحوال المجتمعات وتبدلها في الاقتصاد ومشقة السفر وظهور التقنيات الحديثة التي تتطور بسرعة مذهلة! يبدو غريبًا الآن لدى الجيل الحاضر أن يعيش أحدهم دون مكيف هواء، أو براد الطعام، أو غسالة الملابس، وغير ذلك من وسائل الراحة، إلا أنها كانت شبه معدومة قبل عشرات السنين لدى أغلب الناس!
في كل زمان توجد شريحة من سكان الأرض يعيشون في الطبقة الدنيا من الاقتصاد والدخل المادي فعلى الذين يعيشون في الطبقات المادية العليا أن يشكروا الله ويحمدوه حتى لا يسلبهم النعمة والرفاهية. عن الإمام علي عليه السلام: "إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر".
هل يدرك أطفال اليوم أنه لديهم كل شيء؛ ألعاب وأسفار وملابس؟ أشياء كنا نتمنى القليل منها في سنوات طفولتنا!



